بدأت كقضية رأي عام مع بدايات القرن الماضي وما زالت تتفاعل إلى اليوم .. إنها مسألة المرأة العربية وأحيانا يُوَسع الإطار فيقال المسلمة ودورها في الحياة والظلم المفترض انه واقع عليها بشكل مقصود ومبرمج ...الخ. وفي الأدبيات تجلت تحت أسماء وعناوين شتى مثل : قضية المرأة .. حرية المرأة .. مشاركة المرأة وأخيرا تمكين المرأة ...الخ. وبينما ترك سياق الزمن وأهمل كل ذلك الطحن والعجن من الكلام ، راح هو ووفقا لسياقه الخاص به وسيرورته وبهدوء يقرر بشأن المسألة ما يريد في كل حقبة من حقب التاريخ ووفقا لما يحدث من تغيرات في أدوات ورافع ذلك النسق غير عابئ بذلك الطحن والعجن .. استمر ذلك الطحن على وتيرة واحدة .. فلا تكاد تتصفح مطبوعة أو تستمع لقناة إلا وتجد لهذه القضية نصيبا من الصفحات وأثير الندوات ...الخ. وشخصيا بت لا أستغلظ ولا أستغرب شيئا مثلما أستغرب رأي من يروجون لمقولة أن (المرأة ) - وبين قوسين المرأة تحديدا دون فئات المجتمع العربي الأخرى- هي مظلومة ومحرومة ومهمشة تهميشا متعمدا ومستهدفا لها بالذات عن سبق إصرار وترصد.. وبالطبع إذا كان لكل فعل فلابد له من فاعل فقد تعدد الفاعلون من كاتب أو منظر لآخر .. فهو مرة الرجل أو المجتمع الذكوري - وهو مصطلح تم نحته لهذه الغاية - ومرة هو المجتمع برمته ..وأحيانا لكن قليلا ما يشار للسلطة والسياسة مثلا؟ وكأن بقية فئات المجتمع هي في أحسن حال ووحدها المرأة هي التي تتآمر عليها كل تلك الفئات الأخرى لتستمتع بالحرية والرفاه دونها ؟ وهو قول لا يخفى ما به من سذاجة وسطحية تتضمن في طياتها التجني والتقليد المزري لأفكار مكررة ومستنسخة من مستنبتتات أخرى لها بيئتها وظروفها. والحديث عن دور أحد النوعين الرجل أو المرأة في الحياة ومكانته في المجتمع لا بد ينحصر في أمرين : * مدى الاحترام والصون والمكانة الأدبية من جهة. * ثم الدور المنوط به في حياة وبنيان ذلك المجتمع. أليس هذا هو مجتمعنا العربي؟ كلنا خدم للمرأة منذورون لصونها وتوفير الاحترام والحياة الكريمة لها بقدر الجهد المستطاع ؟ أليست قيم وأعراف مجتمعنا العربي عامة تعلي من مكانة المرأة وتوفر لها كل الاحترام والمحبة والصون ؟ ولعله من فضول القول أن من تجليات ذلك أن عرض الرجل العربي والمسلم ارتبط بالمرأة وصونها .. فهو في هذه الأعراف يعد صائنا لعرضه وكرامته في مجتمعه بقدر صونه للمرأة التي تخصه أما أو بنتا أو أختا أو زوجة. فمن عنده رأي غير هذا من واقع هذا المجتمع غاب عن بالي فليذكرنا به؟ وإذا كانت آداب أمة من الأمم تعبر عن وجدانها سنجد المرأة في الأدب العربي منذ ما قبل الإسلام وحتى اليوم استأثرت بكم عظيم من الاهتمام والاحترام والرفعة .. فالمرأة في الأدب ظهرت بصور شتى يجمعها كلها أنها تعبر عن الاحترام والإجلال الذي يصل حد التقديس مرات .... يكفي أنها من تستفتح قصائد مديح الملوك والسلاطين بمدحها والثناء عليها حتى قبل الممدوح ذاته: فالشاعر هنا رغم أنه يخاطب من هو أجل وارفع من كل أباطرة الدنيا .. ومع ذلك جعل صدر قصيدته للمرأة سعاد .. ولم يعترض الممدوح أو ينتقد ذلك وهو النبي عليه السلام. أما بخصوص دور المرأة في الحياة العامة اجتماعية ومدنية وسياسة إضافة لدورها الطبيعي كأم وزوجة فهو يتقدم تقدما طبيعيا ينسجم مع تغييرات النسق الاجتماعي ذاته بل ربما هو سابق عليه حتى .. ذلك النسق الذي قلنا أنه لا يسمح لا للرجل ولا للمرأة بتخطي أوامره وحدوده وهو ليس من صنع أي منهما ..فالآن صار عندنا نساء في الجيوش والمحاكم والبرلمانات والحكومات وهو لم يكن قبل سنوات قريبة أمرا مقبولا حتى مجرد مناقشته. ولا أبالغ لو قلت أن الباب بات مفتوحا على مصراعيه بحسب همة المرأة ذاتها ورغبتها في المشاركة وما تسمح به ظروفها هي..كما أن دور المرأة وللإنصاف لم يكن في أي عصر من العصور مهمشا وملغى إلى ذلك الحد الذي يذهب إليه البعض ..طبعا وفقا لما يسمح به السياق قلنا ..فقد كانت راوية حديث ومحاربة وشاعرة وصاحبة مجالس علم وأدب ...الخ أفلا تتفقون معي والحالة هذه أن كل ما يقال عن ظلم مدبر وممنهج للمرأة هو قول لا يعدو كونه هو بحد ذاته ظلم ناشي إما عن سطحية في التفكير أو تقليد ممنهج ومقصود؟ فالمسألة إذا للمفكر المدقق وليس الكاتب المقلد هي أنه لا يوجد ظلم مبرمج ومقصود ومخطط له لإبقاء المرأة في وضع دون عن سبق إصرار وتصميم.. لكن العملية برمتها مرهونة بتغييرات في النسق الكلي للحياة بأفرعه الاجتماعية الاقتصادية والسياسية ....الخ هذا بالنسبة لوضع المرأة في الحياة كدور.. أما وضع المرأة كانسان والاحترام والصون الذي تحظى به فقد بينا ذلك وأظن لا أحد ينكر أننا كلنا منذورون لهذا الغرض. في النهاية أحب أن أعزز بالتكرار فكرة مهمة بثت خلال المقالة كلها وهي أن بعض من يكتبون يحاولون الإيحاء أن مشكلة المرأة المزعومة تلك هي مع الرجل أو ضده وهي سطحية أخرى يقع بها هؤلاء نتيجة التقليد والسلق لأفكار الغير .متجاهلين ان قضية المرأة والرجل معا هي ضد الظلم والاستبداد الذي سعى لتأخير روافع التقدم واذرعه والتي كان من شأن تغييرها وتحسينها أن تقفز بالمجتمع رَجلا وامرأة فراسخ وأميالا... والمفكر بعمق في شؤون الاجتماع البشري وسيرورته يكتشف أنه لا الرجل ولا المرأة يقرران شيئا بهذا الخصوص على شكل قرار يُحدث تغييرا سريعا .. إنما هناك سيرورة وسياق خارج فعلهما وإرادتهما يخضعان له معا .. فهناك نسق متكامل اجتماعي اقتصادي سياسي ثقافي (بالمعنى السوسيولوجي للثقافة) يخضع له الرجل ذاته قبل المراة .. وهو من يقرر ويرسم الأدوار ويترك للفرد هامشا ضئيلا من الحركة .. والخروج على ذلك النسق له ثمن باهظ وباهظ جدا يردع أيا من يحاول ذلك ويردع به .. وهذا النسق قلنا مرارا ليس من صنع أي من الرجل أو المرأة بل هو خلاصة جملة من العوامل المتشابكة وله صفة الاستقرار النسبي ما دامت تلك العوامل الرافعة والداعمة له مستقرة .. حتى إذا تغيرت تغير معها وهو ما نشهده الآن فالرجل عندما سمح النسق ببعض التغييرات وجدناه أول المرحبين وهو من يجتهد ويركض للبحث لبنته أو أخته أو زوجته عن مقعد الجامعة وعن الوظيفة ...الخ. وأخيرا هذه همسة في أذن المرأة العربية :
هي الرفيقة ..والشريكة.. والأم ..والبنت ..والأخت ..والزميلة و....الخ.
تخيل الحياة بدونها ؟
فأنت أيتها المرأة : فطوال تاريخه الطويل كان الرجل هو الأب والأخ والرفيق والابن و... ، وفي كل تلك الأدوار فقد كان هو السند والحامي والمعيل ، والذي واجه مشاق الحياة وخاض غمراتها ليوفر عليك العناء والبهدلة يوم لم يكن لا قانون ولا مؤسسات بل كان البقاء للأقوى..بل وحتى في زمن الدول والحكومات وإلى عهد قريب بل وربما إلى اليوم حتى ، وفي ظل دولة القانون وحقوق الإنسان و....الخ ، حيث المرأة باتت تعمل وتكسب وحققت شيئا من الاستقلال الإقتصادي ، فالرجل رغم كل ذلك مازال كافلا وراعيا وحاميا..والمرأة بالنسبة له عنوان كرامته وهي عرضه وشرفه الذي قد يفرط بروحه ولا يفرط بها.
أيتها المرأة .. أنت قطعة من روح الرجل فأنت لا تخرجين عن أن تكوني ابنته أو أمه أو أخته أو زوجته وفي كل تلك الحالات فأنت قطعة من نفسه بل وعنوان كرامته ..
أيتها النساء رفقا بالرجال . فهم في الغالب أطفال كبار..
أيتها المرأة رغم كل ما قلناه فإننا سنبقى نحتج على النكد والدهاء الذي تمارسه بعضكن أحيانا خاصة حينما لا يكون في مكانه ويتسبب بتلبد اجواء الحياة المشتركة بينكما بالغيوم..أو تلك الأساليب التي مازلتِ أو ما زالت بعضكن تمارسها عليه والتي هي من عهود الماضي حينما كان الخوف وعدم الأمان هو سيد الموقف ..أما الآن فأنت متعلمة وعاملة وقد حققت قدرا من الاستقلال والاعتماد على الذات أسهم الرجل معك في تحقيقه لك ، حيث قلنا أن الأب يركض قبل ابنته لتدريسها وتأمين وظيفتها ..فأظن حان الوقت لإعادة النظر في الكثير من الأساليب التي ما زالت المرأة تتبعها في تعاملها مع الرجل وعلاقتها به والتي هي من رواسب عهود الخوف والمنع ، تلك الأساليب التي كان يمكن لنا أن نجد لها تبريرا مقبولا يوم كانت المرأة معتمدة اعتمادا تاما على الرجل وتخشى غدر الزمن أو غدره بها.
تحياتي.
<<الصفحة الرئيسية














