جِياد الإصلاح..

..تُعنى بالأسئلة الإنسانية الكبرى وأحيانا المُلحة ، كتابات ونصوص إبداعية في الإنسان والحرية والحياة.


دافوس والغبراء

  مع التحولات الكونية التي هبت على كوكبنا في العقدين الأخيرين بات مألوفا أن تسمع الكثير من التسميات والمصطلحات التي راجت وغدت جزءا من أدبيات الخطاب العولمي الجديد.. وراح يتفنن بتردادها الفرقاء من منبهرين  ومعارضين .. من مثل نظام عالمي جديد .. عولمة .. خصخصة .. جات.. اقتصاد حر .....الخ.

    ولعل دافـُوس هي من تلك الأسماء التي راجت مع ما راج في هذا الخضم .. والتي ارتبط اسمها بمؤتمر أو منتدى اقتصادي عولمي أخذ منها هذا الاسم وأخذته منه .

    وإذا كان للغة إيحاءاتها وسيميولوجياها .. بحيث يكون للكلمات المتشابهة اللفظ والرسم نوع من التداعي في الذهن .. وبحيث تذكرك بعضها ببعض .. عدا عن إن هناك ارتباطا في المعاني غالبا ما ينشأ بين مثل تلك الكلمات .. وعلى سبيل المثال قد تذكرك دافوس بداحس .. التي بدورها تذكرك بالغبراء والتي تعرفون قصتها جيدا .

    وينعقد دافـُس في حلقته الأخيرة هنا في ظل غياب الكثير من زعماء العالم ورؤساء الدول ذات الاقتصاديات المهمة والكبرى عنه ممن واظبوا عليه وحرصوا على الوقوف بمنابره .. فعربيا مثلا لم نر حرصا من رؤساء اكبر الدول العربية سواء اقتصادا  أو سكانا وحراكا أو نسمع  اهتماما أو أنهم طاروا لدافوس ما من تلك الدافوسات أو اهتموا بإلقاء الخطابات فيه .. ودون أن تخسر اقتصادياتهم شيئا يجعلهم يندمون على ذلك .. بل على العكس  ربما كانت تلك البلدان في حصانة من فيروسات النهب والنصب ولم تدخلها موائد البورصات والقمار التي نهبت ما في جيوب الناس بما يشبه النشل لكن بطرق جديدة . 

     البعض الآخر ورغم المواظبة لم يستطع أن يخفي شيئا من خيبة الأمل .. ولربما كانت مواظبته هي على طريقة بعض الرياضيين : شرف المشاركة أو شعار المشاركة للمشاركة .. معتبرا أن مجرد الحضور وإلقاء خطاب في حشد أممي هو في النهاية مكسب بحد ذاته.. وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء التركي في دافوس قبل الأخير حينما أفصح عن خيبة الأمل بمؤتمر يفترض أنه اقتصادي بينما يجده يتحول لمنبر لتكريس بعض الأشخاص أو السياسات والتحيز لها  حينما حرم حتى حق الكلام والرد..فودع دافوس قائلا بعد كلمة غاضبة ما معناه : ( باي باي دافوس  )

   التنادي – من منتدى- للتباحث في شأن عام من شؤون الناس هو تقليد ليس بالجديد  ، سوق عكاظ  مثلا كانت سوقا فكرية اقتصادية يتبادل فيها المنتدون ليس نتاجهم الأدبي والفكري فحسب بل والاقتصادي أيضا .. وحينما تكون ثمة ثمرة عملية تنعكس على الرجل العادي الذي لا يشارك أو يستفيد مباشرة من أضواء المنتديات واللقاءات ولخطابات فلا بأس .. لان الناس- بمعنى رجل الشارع العادي- إذا كانوا في النهاية هم الهدف من تلك التظاهرات - لا يجنون من الكلام شيئا .. وباعتبار أن هدف الاقتصاد أن يغذي الناس كي يقوون بدورهم على أن يغذوا محركاته بالوقود اللازم لتطوره وازدهاره ومن ثم يستطيع هو بالتالي – أي الاقتصاد- أن يسترد منهم ثمرة ذلك الغذاء على شكل تغذية راجعة وهكذا في عجلة دوارة ..لكن هذا ما لم يحصل .. ففي بلد كالأردن على سبيل المثال مر الناس بعاصفة شركات البورصات التي ابتلعت كثقب اسود جل ما في جيوبهم  إن لم يكن كله .. والذي لا جدال فيه أن مثل تلك الشركات ما هي إلا محصلة بشكل أو بآخر لأفكار عباقرة دافوس وأشباهه ومنظريه أنفسهم فهم عرابو الاقتصاد العالمي ومنظروه.

 
   وأظن أن الشعوب المعدمة ليست بحاجة لمثل تلك المؤتمرات والدافوسات التي لا تقدم لها شيئا سوى الوعود البراقة عدا عن كُلف مثل تلك المؤتمرات التي تمتاز بالتنطع وبتهيئة الأجواء والفنادق الفخمة لذوي الياقات البيضاء الذين غدت صورتهم في أعين الناس بغيضة بل ومقززة فهم صواحب برنارد مادوف الذي طال احتياله المجتمع المعولم ولا أقول الأمريكي فقط بمبالغ طائلة جدا وكان ما حصل في بلداننا هو بعض الهزات الارتدادية لزلازل النصب والقمار العالمي الجديد كزلازل مادوف وأشباهه.

    بالتالي .. فما دام أن مثل تلك التظاهرات  في النهاية لا تنعكس على حياة الفقراء بعائد مجدٍ .. هذا إن لم  يحصل العكس فتحمل  فواتير تكاليفها على رغيف خبزهم وحبة دوائهم  ، فأي جدوى لها سوى أن تكون منابر لتكريس بعض السياسات والأشخاص وإظهار براعتهم في التنظير وإعطاء المغامرين فرصا لتجريب مغامراتهم .. وإلا فعقد الصفقات وإنشاء الاستثمارات في عصر تقنيات الاتصال عن بعد ليس بالضرورة تحتاج لشيء كدافوس وأخواتها .. أوليس الاقتصاد في النهاية أن نكون عمليين وأن نعظم النتائج ونخفض المدخلات وليس العكس كما يحصل في تلك التظاهرات التي تحسها أحيانا لتكريس أشخاص أو سياسات بعض من يحضرونها ويشاركون فيها ..

   وبالأمس انعقد دافوس في طبعته الأخيرة هنا في الأردن .. نفس الوجوه ونفس الياقات البيضاء الملمعة ونفس الخطاب حتى بعد الأزمة العالمية وبعد فضائح البورصات وكأن هؤلاء السادة لم يسمعوا بشيء من هذا ؟!!

 

أما الناس أنفسهم هنا ..فكان شيئا مما يجري لا يعنيهم بشيء.

    كأن المال الذي نهبه المقامرون بالأمس ليس مالهم وخبز عيالهم !

وكأن هؤلاء الذين يعيثون خطابات ومؤتمرات في بلادهم ليسوا هم أنفسهم من حولوا العالم إلى طاولة قمار واسعة.

   لم ينتزع أي أردني هنا ولو حتى (طبق من ورق ) من دفتر احد أبنائه ويقف ولو في شباك بيته ومن خلف شبك الحماية ليكتب عليه أية عبارة تعكس خيبة أمله أو حتى عتبه فضلا عن غضبه على من جعلوه على الحديدة ؟

لم يحدث شيء من هذا ..  حين حتى في دافوس نفسها أم المؤتمر وعقر داره وفي غيرها من بلدان تعد مهد تلك النظريات وأصحابها وصل الأمر أن رشق الناس ممثلي تلك المؤسسات والسياسات بإطباق الجاتو في وجوههم وربما أكواب الماء البارد والبيض الفاسد !!

تُرى إلى كم يستمر دافـُس وأخواته في دَفس المال في حلوق المتخمين والأثرياء بعد لملمته وانتزاعه من أفواه المعوزين والتعساء ؟ الذين يكتفون بالتفرج على السادة الخطباء المفوهين وقدراتهم في تحلية ماء البحر الأجاج بالكلام العذب؟

  وكم سنبقى نحن هنا حقل تجارب وأبوابا مشرعة لكل مغامر منبهرين بأطروحات من يحلو لهم أن يجربوا نظرياتهم وفهلواتهم اللوذعية بغض النظر عن النتائج  وكأن مكان المغامرات والتجارب حياة الناس ومعيشتهم وليس أي مكان آخر ؟!

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية











gazza

Jiad Visitors Greeting

Locations of visitors to this page

Jiad yahoo reader


ديواني

بوابة الشعراء

مدونون لأجل لبنان




Google

in your poit of view dictatorship and autocracy is:
The absence of elections, parliaments, parties...etc?
The absence of transparency,monitoring and authority distribution?
Focusing the authority and power in one hand, its the hand of the autocracy president, king..ext?
Who has the real power and authority is not authorized from the people by free and true elections?
A vested rights to own the power by individual or family or court as a permanent and stable owners?
All of above?
  
pollcode.com free polls

برأيك فإن الاستبداد والطغيان هو:
غياب العدالة في توزيع المكتسبات؟
غياب الأمان وتسلط اجهزة الحكم على الناس وظلمهم ؟
غياب المشاركة الحقيقية والشفافية في صنع القرارات؟
من يحكم فعليا وعمليا هو غير مخول من قبل الناس بالانتخاب الحر وهو فوق المساءلة والمحاسبة؟
3+4
  
Free polls from Pollhost.com