جِياد الإصلاح..

..تُعنى بالأسئلة الإنسانية الكبرى وأحيانا المُلحة ، كتابات ونصوص إبداعية في الإنسان والحرية والحياة.


تهيئة الفكر لصعود الحرية ..(10-2)


  وهكذا فإن المذاهب القدرية غلبت وطغت على المذاهب الأخرى التي حاولت أن تعلي من شأن العقل ومن إرادة الإنسان وحريته .... وقد عُذب وحوصر واضطهد هؤلاء الفلاسفة والمفكرين الذين حاولوا إلى جانب الإيمان إعلاء شأن العقل وتعظيم دور إرادة الإنسان في صنع واقعه وفي تأثيره في صيرورة ومجرى حياته .. وبالتالي من خلاله التأثير في التاريخ ذاته..ومن رواسب ذلك هو العداء للفلسفة والعقل ونظرة الحذر والارتياب لها والتي أحيانا تربطها بالإلحاد وتعادي من يشتغل بها أو يتعلمها .. تلك النظرة التي ما زالت إلى يومنا هذا دون أن ندرك أنها انحدرت إلينا من رواسب ذلك الصراع الذي ادّرع الدين وتترّس به لاضطهاد العقل وللتأسيس لاستبداد فكري ديني وسياسي خيم على العقل العربي قرونا طويلة .. مع أن الدين ليس فيه ما يعادي العقل بل لا نبالغ لو قلنا أنه ما جاء إلا لينتصر للعقل ويطلقه من عقالاته واعتقالاته بشتى صنوفها وصروفها .

  وفي الدين الإسلامي كمثال ، وكمسلم ، فإنني أعترف أن المذاهب القدرية التي تفسر أحداث التاريخ بأنها إرادة الله وحده وما رسمه في اللوح المحفوظ سلفا ولن يتغير قيد أنملة قد غلبت على المذاهب الأخرى التي ترى أن الإنسان إرادة حرة وله القدرة على التأثير في التاريخ وصنعه وهو ما لا يتنافى مع الإيمان أو كونه مسلما .. وأن للأسباب المادية والإعداد المادي دوره في تقرير مجرى التاريخ ..وهي المذاهب التي لو سادت منذ البداية لكان الكثير في واقعنا ربما تغير للأفضل على مر العصور .. وأعطيكم مثالا حيا وقريبا على كيف يفكر الإنسان العربي ..فعند سقوط بغداد وفي أحد المواقع الإلكترونية .. وقفت وقلت على ما يبدو إن الله يريد ان يؤدبنا نحن والمؤمنين بأن النصر من عنده وحده فقط لكي يعلمهم درسا أن النصر هو أيضا بندقية وطائرة وجيش منظم ومدرب وليس إيمانا فقط .. ولكي لا يبقوا حتى نهاية التاريخ متواكلين على الله يلقون عليه عجزهم ويفسرون به هزائمهم ويريدونه جنديا وصانع اسلحة ومقاتل يذود عنهم ..مثل ولد يريد أن يهيئ له والده كل شيء فقط لأنه ولد مطيع يقبل يده صبيحة كل يوم .. فقامت الدنيا ولم تقعد دون أن يلتفتوا لما في الكلام من منطق ومعقولية ومصرين على أننا هزمنا فقط لأننا ابتعدنا عن الله؟ متناسين أن المسلمين مثلا هزموا في أحد لأن سببا من الأسباب المادية البحتة قد أغفل في اللحظة الأخيرة فانقلب النصر هزيمة مع أن الرسول معهم وبينهم ..الم تكن تلك رسالة واضحة لدور الأسباب المادية في صناعة التاريخ وأهمية الأخذ بها إلى جانب الإيمان ؟

  وحيث أن الإسلام يشكل ما نسبته 90% من وجدان وشخصية بالتالي عقل الإنسان العربي وتفكيره .. بالتالي لا نبالغ لو قلنا انه عقل مختطف بدوره من قبل من اختطفوا الإسلام ذاته ومن خلاله الثقافة التي هي قلنا أنها البرنامج الذي إما يمد العقل بطاقة لا محدودة ويساعده على استخراج طاقاته المختزنة أو يكون برنامجا على العكس من ذلك متخلفا عن إمكانيات العقل مقيدا له.

  لكن السؤال لماذا نطرح الفلسفة هنا ؟ وهل نطرحها كبديل أم رديف ؟ والجواب هو لأن الفلسفة لا تختطف ولا يمكن أن تختطف من حيث هي جهد للعقل الفردي فقد ظلت رغم كل ما واجهته تقول رأيها بحرية وبعيدا عن تأثير السياسة والسلطة .. فقط ما حدث للفلسفة هو أنها أقصيت وهمش دورها وتأثيرها وتم تأليب العامة ضدها لكي يحشوا رؤوسهم بثقافة أخرى هي مزيج من تقولات الفقهاء وعلم الأنساب والأحساب والتاريخ المزور وقصائد المديح والأدب الزائف ..الخ لكنها –أي الفلسفة – وإن همشت فقد بقيت كما هي ولم تدخل السراديب أو تنحرف عم مسارها كنتاج للعقل الحر الأصيل الذي يأبى شهادة الزور .. فلم تختطف أو تحور وتجير .. لذا نطرح الفلسفة كرديف للثقافة ومعين لها لإعادتها للطريق الصواب وإخراجها من السرداب .

  وعود على بدء فما أريد الوصول له هو أننا بحاجة لشيء من المادية بجانب مثاليتنا المفرطة دون أن نضطر للتخلي عن إيماننا لكن على الأقل لنؤمن بذلك الحد من المادية الموجود في ذات الإيمان الذي قال اعقل وتوكل أو اجعلوا مع الدعاء شيئا من القطران ..حيث توجد أصول لمثل هذه الفلسفة حتى في الدين ذاته ..فنحن بحاجة أن نؤمن بجانب تلك الفكرة العظيمة التي تقول "كما نفكر فإننا نكون " أن نؤمن كذلك أننا لكي نكون كما نفكر يجب أن نسعى لكي نكون كذلك ونمتلك أدواته ومفاتيحه.

  أي أننا ربما بحاجة لفلسفة ثالثة هي الفلسفة ((المثادية )) أو إن شئت "الماثية" والتي هي مزيح من الفلسفتين المثالية التي تتفق مع كوننا مؤمنين بالله والقدر والغيبيات والروح .. والمادية التي فيها أجزاء تتفق مع كون ذلك الإيمان ذاته دعانا للأخذ بالأسباب المادية التي يدعونا بعض القدريين لإهمالها بالكامل والتوكل على الله فقط دون الأخذ بتلك الأسباب.

  ولنقل إذا أن : كل شيء فكرة..من الفكرة بدأ واليها ينتهي ..ونحن لسنا سوى ما فكرنا به .. وهو صحيح إلى أبعد حد .. فقط بحاجة لإضافة بسيطة.. أنه لا بد لنا من (أدوات مادية وفعل) لترجمة ما فكرنا به لكي نكونه .

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 16 اغسطس, 2007 01:12 ص , من قبل الحقيفة
من المغرب

تحياتي الحارة

كل ما أتمناه أن يستفيد أكبر عدد ممكن من مقالاتك الرائعة

صراحة، كلما قرأتها لا أجد ما أعلق عليه أو أظيفه أو انتقذه

تمنياتي لك بالصحة والعافية

اضيف في 20 اغسطس, 2007 12:14 ص , من قبل blacksteed
من الأردن

اشكرك اخي الكريم واتشرف بزيارتك لمدونتي كماان المقالات تنشر كذلك على موقع عمون وقد اشرت لذلك في إحداها سابقا وذلك كما تمنيت كي يقرأها ويستفيد منها أكبر عدد ممكن مكن القراء

وتحياتي



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية











gazza

Jiad Visitors Greeting

Locations of visitors to this page

Jiad yahoo reader


ديواني

بوابة الشعراء

مدونون لأجل لبنان




Google

in your poit of view dictatorship and autocracy is:
The absence of elections, parliaments, parties...etc?
The absence of transparency,monitoring and authority distribution?
Focusing the authority and power in one hand, its the hand of the autocracy president, king..ext?
Who has the real power and authority is not authorized from the people by free and true elections?
A vested rights to own the power by individual or family or court as a permanent and stable owners?
All of above?
  
pollcode.com free polls

برأيك فإن الاستبداد والطغيان هو:
غياب العدالة في توزيع المكتسبات؟
غياب الأمان وتسلط اجهزة الحكم على الناس وظلمهم ؟
غياب المشاركة الحقيقية والشفافية في صنع القرارات؟
من يحكم فعليا وعمليا هو غير مخول من قبل الناس بالانتخاب الحر وهو فوق المساءلة والمحاسبة؟
3+4
  
Free polls from Pollhost.com