الجمعة, 17 اغسطس, 2007
تكوين..
أين اجترحت هذا الكون
في حُلمٍ؟
من قبل أن يكونَ.. أم
من بعد أن يفنى؟
مذ قلت كن
فكان
روحه المعنى:
خيل يمج زَبَد الغيوم
وطائر ينفض جنحه
فينثر النجوم..
وتولد الكروم
من غيمة تفنى
أين تراني كنتُ
من قبل أن يكون
وهذه الأشياء؟
والأسماء؟
والجسوم؟
خيل يذر زَبَدَ الغيوم
وطائرٌ جانحه الفضاء
في أفق يحوم
وحيث جال طرفَه
أو مس جُنحُه
ارتسمت عوالم الأفلاك والنجوم
دوامة من أزهُُر
كان اسمُها سديم
وفرسٌ أجج في الأثير نقعَه
وجر مختالا بأثره
حبلا من الضياء والغسق،
مجرة الشفق..
***
كوني أنا مباينٌ..
مغايرٌ،
ومفردٌ مَثْنى!
كوني الذي أرجوحة الخيال
ونسمة أسنى..
أين ابتدعت هذا الكون
في حلمٍ ؟
من قبل أن يكونَ
أم..
من بعد أن يفنى؟
..........
كونيَ كنْ فكانَ ،
روحه المعنى.
-----------------------

الاثنين, 13 اغسطس, 2007
وهكذا فإن المذاهب القدرية غلبت وطغت على المذاهب الأخرى التي حاولت أن تعلي من شأن العقل ومن إرادة الإنسان وحريته .... وقد عُذب وحوصر واضطهد هؤلاء الفلاسفة والمفكرين الذين حاولوا إلى جانب الإيمان إعلاء شأن العقل وتعظيم دور إرادة الإنسان في صنع واقعه وفي تأثيره في صيرورة ومجرى حياته .. وبالتالي من خلاله التأثير في التاريخ ذاته..ومن رواسب ذلك هو العداء للفلسفة والعقل ونظرة الحذر والارتياب لها والتي أحيانا تربطها بالإلحاد وتعادي من يشتغل بها أو يتعلمها .. تلك النظرة التي ما زالت إلى يومنا هذا دون أن ندرك أنها انحدرت إلينا من رواسب ذلك الصراع الذي ادّرع الدين وتترّس به لاضطهاد العقل وللتأسيس لاستبداد فكري ديني وسياسي خيم على العقل العربي قرونا طويلة .. مع أن الدين ليس فيه ما يعادي العقل بل لا نبالغ لو قلنا أنه ما جاء إلا لينتصر للعقل ويطلقه من عقالاته واعتقالاته بشتى صنوفها وصروفها .
وفي الدين الإسلامي كمثال ، وكمسلم ، فإنني أعترف أن المذاهب القدرية التي تفسر أحداث التاريخ بأنها إرادة الله وحده وما رسمه في اللوح المحفوظ سلفا ولن يتغير قيد أنملة قد غلبت على المذاهب الأخرى التي ترى أن الإنسان إرادة حرة وله القدرة على التأثير في التاريخ وصنعه وهو ما لا يتنافى مع الإيمان أو كونه مسلما .. وأن للأسباب المادية والإعداد المادي دوره في تقرير مجرى التاريخ ..وهي المذاهب التي لو سادت منذ البداية لكان الكثير في واقعنا ربما تغير للأفضل على مر العصور .. وأعطيكم مثالا حيا وقريبا على كيف يفكر الإنسان العربي ..فعند سقوط بغداد وفي أحد المواقع الإلكترونية .. وقفت وقلت على ما يبدو إن الله يريد ان يؤدبنا نحن والمؤمنين بأن النصر من عنده وحده فقط لكي يعلمهم درسا أن النصر هو أيضا بندقية وطائرة وجيش منظم ومدرب وليس إيمانا فقط .. ولكي لا يبقوا حتى نهاية التاريخ متواكلين على الله يلقون عليه عجزهم ويفسرون به هزائمهم ويريدونه جنديا وصانع اسلحة ومقاتل يذود عنهم ..مثل ولد يريد أن يهيئ له والده كل شيء فقط لأنه ولد مطيع يقبل يده صبيحة كل يوم .. فقامت الدنيا ولم تقعد دون أن يلتفتوا لما في الكلام من منطق ومعقولية ومصرين على أننا هزمنا فقط لأننا ابتعدنا عن الله؟ متناسين أن المسلمين مثلا هزموا في أحد لأن سببا من الأسباب المادية البحتة قد أغفل في اللحظة الأخيرة فانقلب النصر هزيمة مع أن الرسول معهم وبينهم ..الم تكن تلك رسالة واضحة لدور الأسباب المادية في صناعة التاريخ وأهمية الأخذ بها إلى جانب الإيمان ؟
وحيث أن الإسلام يشكل ما نسبته 90% من وجدان وشخصية بالتالي عقل الإنسان العربي وتفكيره .. بالتالي لا نبالغ لو قلنا انه عقل مختطف بدوره من قبل من اختطفوا الإسلام ذاته ومن خلاله الثقافة التي هي قلنا أنها البرنامج الذي إما يمد العقل بطاقة لا محدودة ويساعده على استخراج طاقاته المختزنة أو يكون برنامجا على العكس من ذلك متخلفا عن إمكانيات العقل مقيدا له.
لكن السؤال لماذا نطرح الفلسفة هنا ؟ وهل نطرحها كبديل أم رديف ؟ والجواب هو لأن الفلسفة لا تختطف ولا يمكن أن تختطف من حيث هي جهد للعقل الفردي فقد ظلت رغم كل ما واجهته تقول رأيها بحرية وبعيدا عن تأثير السياسة والسلطة .. فقط ما حدث للفلسفة هو أنها أقصيت وهمش دورها وتأثيرها وتم تأليب العامة ضدها لكي يحشوا رؤوسهم بثقافة أخرى هي مزيج من تقولات الفقهاء وعلم الأنساب والأحساب والتاريخ المزور وقصائد المديح والأدب الزائف ..الخ لكنها –أي الفلسفة – وإن همشت فقد بقيت كما هي ولم تدخل السراديب أو تنحرف عم مسارها كنتاج للعقل الحر الأصيل الذي يأبى شهادة الزور .. فلم تختطف أو تحور وتجير .. لذا نطرح الفلسفة كرديف للثقافة ومعين لها لإعادتها للطريق الصواب وإخراجها من السرداب .
وعود على بدء فما أريد الوصول له هو أننا بحاجة لشيء من المادية بجانب مثاليتنا المفرطة دون أن نضطر للتخلي عن إيماننا لكن على الأقل لنؤمن بذلك الحد من المادية الموجود في ذات الإيمان الذي قال اعقل وتوكل أو اجعلوا مع الدعاء شيئا من القطران ..حيث توجد أصول لمثل هذه الفلسفة حتى في الدين ذاته ..فنحن بحاجة أن نؤمن بجانب تلك الفكرة العظيمة التي تقول "كما نفكر فإننا نكون " أن نؤمن كذلك أننا لكي نكون كما نفكر يجب أن نسعى لكي نكون كذلك ونمتلك أدواته ومفاتيحه.
أي أننا ربما بحاجة لفلسفة ثالثة هي الفلسفة ((المثادية )) أو إن شئت "الماثية" والتي هي مزيح من الفلسفتين المثالية التي تتفق مع كوننا مؤمنين بالله والقدر والغيبيات والروح .. والمادية التي فيها أجزاء تتفق مع كون ذلك الإيمان ذاته دعانا للأخذ بالأسباب المادية التي يدعونا بعض القدريين لإهمالها بالكامل والتوكل على الله فقط دون الأخذ بتلك الأسباب.
ولنقل إذا أن : كل شيء فكرة..من الفكرة بدأ واليها ينتهي ..ونحن لسنا سوى ما فكرنا به .. وهو صحيح إلى أبعد حد .. فقط بحاجة لإضافة بسيطة.. أنه لا بد لنا من (أدوات مادية وفعل) لترجمة ما فكرنا به لكي نكونه .

الخميس, 09 اغسطس, 2007
نحن والفلسفة : بين "المِثالية" و "المادية" أو "الفلسفة الثالثة"
هناك فلسفتان كبريان تتقاسمان مساحات العقل والوعي هما : المادية والمثالية..
الأولى ترى انه لا وجود للأشياء خارج حدود المادة حتى الفكر ذاته ما هو إلا انعكاس للمادة في الوعي بالتالي فهي تحيل المعرفي للوجودي بالكامل . حيث المادة هي علة الوعي والمعرفة وكل شيء.
أما الثانية فترى انه لا وجود لشيء سوى الفكر بينما المادة ليست سوى صورة الفكر وتجل من تجلياته.. أو مجرد حامل للفكرة.. أي هي ما قد تصوره الفكر فكان .. ولولا أن الفكر تصوره لما كان .. فهي تحيل الوجودي للمعرفي .. فالأبستمولوجي بالكامل هو علة الأنطولوجي بالكامل .. ولا وجود لشيء خارج الوعي .. أو لا وجود لشيء لم يتم تعقله وإدراكه مسبقا كعلة لوجوده وإلا لما كان .. بالتالي فالمعرفة علة للوجود المادي وغير المادي .. ولا بد لكي يوجد الشيء أن يمر بطور الفكرة كما يمر الكائن الحي بطور الجنين مثلا .
ولكل من الفلسفتين أنصارها والمؤمنين بها .. لكن باعتبار أن المادية تنفي وجود أي شيء خارج المادة أو ما وراءها ومنها الغيبيات كالروح مثلا .. بالتالي يمكن اعتبار أنصارها أقل عددا من المثالية باعتبار المؤمنين لا يمكن أن يتفقوا مع طرح المادية أو يكونوا من أنصارها بقصد منهم أو بغير قصد كونهم يؤمنون بالروح وبوجود إرادة واعية فكرت في الكون فكان كما فكرت به .. فإذا أضفنا للمؤمنين الذين قلنا أنهم تلقائيا ليسوا من أنصار المادية..أنصار المثالية ذاتها كفلسفة وفكر كان مجموع مؤيدي المثالية وجمهورها أكبر وأكثر عددا.
وفي المثالية .. فكل ما هو كائن كان هكذا لان ثمة من فكر به هكذا .. ولو فكر به على نحو آخر لكان كما فكر به..وهو معنى "كن فكان" .. وبالتدقيق نجد هذا صائبا إلى حد بعيد..فبالعودة إلى مقولة "كيفما نفكر فإننا نكون " نجد ثمة جانب إيجابي في الفكرة يكمن في فكرة أننا نحن من نخلق واقعنا ونصنعه..بالتالي هو يعطي للإنسان دور مهم في صنع وتقرير مصيره .. وربما تكون هذه هي أعظم نقاط التقاء الفلسفتين المادية والمثالية بخصوص موضوعنا.. باعتبار المادية بدورها تفسر سيرورة التاريخ بأن تعزوه لمجموع حركة وأفكار ومصالح الناس وسعيهم لتحقيق تلك الأهداف والأفكار والمصالح وترجمتها عمليا.
ولو أخذنا كمثال التطبيق السياسي للمسألة على نموذج الاستبداد كمثال أيضا.. سنرى كيف أنه للتفكير دوره في دعم الاستبداد أو نزع الدعم عنه ..بالتالي في جعلنا نعيش واقع استبدادي او واقع تحرري .. فحينما أؤمن أنك سيد ولك علي حق ذلك وأنا تابع وعلي لك واجب ذلك فكيف يمكن أن يتغير ذلك ؟؟ إنه حتى لو أتي من يغيره بالقوة فلن يفلح حتى أغير ما بعقلي أو نفسي من فكرة .. وكمثال مرة أخرى فحينما نتوقف عن التفكير أن السلطة هي وكيلة الله أو القدر وصاحبة حق مطلق ونحن مدينون لها بذلك . ونفكر بها على نحو آخر كوكيل عنا ومكلف من قبلنا .. فقط إذا فكرنا هكذا سيتغير الكثير ..حتى لو مجرد تفكير فقط ..لأننا حينما نفكر كذلك سنمتنع عن أن نمدها بالدعم الذي كان يحركنا له تفكيرنا السابق في أنها موكلة من الله ولها علينا حق ذلك الدعم لدرجة إذا لم نفعل نشعر بأننا ارتكبنا إثما أو سلوكا خلقيا مرفوضا وشائنا .
هذه الإحالة على الفكر من قبل الفلسفة المثالية والتي قلنا أنها فلسفة أكثر أنصارا من المادية قلنا هم أغلبية البشر ، على عكس ما تذهب له المادية .. وبغض النظر عن مسألة من منهما الأصح ، لكنها على كل حال ترينا مدى أثر وأهمية التفكير ليس في تشكيل وصنع الواقع بل وفي تغييره أيضا ..سواء كان هو واقع الإنسان الفرد أو واقع الجماعة .. وهو بالأساس الجانب الذي لأجله سقت الحديث عنهما.
وكان التاريخ يُفسَّـر تفسيرا ميثولوجيا بالكامل في العصور الغابرة.. فتفسر الهزائم على أنها غضب الآلهة على البشر أو يفسر المحل على انه جفاف دموع آلهة المطر مثلا .. وهكذا.. لذا كانت تقدم القرابين للأنهار عند فيضانها وللشمس والقمر عند كسوفها وخسوفها بحيث يبدو الإنسان مستسلما للطبيعة وللقدر بشكل نهائي وكلي بلا أي دور..وقد كان هذا التفكير بدوره نسقا وطريقة حياة أي كينونة كاملة ووجود .. بمعنى ما دام هكذا كان يفكر الإنسان فإن كيانه بدوره هو هكذا .. أي مادام يفكر أنه ليس بمقدوره صنع شيء فلن يكون ذلك بمقدوره فعلا ..وبالفعل هكذا كان .. كيانا ميثولوجيا وحياة أسطورية بالكامل..الإنسان فيها تابع للطبيعة والقدر من خلال نسق تفكيري يشل إرادته تماما.
ولما جاء عهد الرسالات السماوية حل التفسير الديني محل الميثولوجي والذي أقر بمبدأ وجود ذات وقوة عظمى فكرت بالكون على نحو ما فكان كما فكرت به أو تصورته أي "خلقت" الكون من فكرة .. فوحّدت الخلق في إله واحد بدلا من آلهة متعددة كما في الميثولوجيا ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى حاولت أعادة الاعتبار للإنسان وأرادت أن تجعل مع الدعاء شيئا من القطران بحيث لم تجعل الإنسان مستسلما بالكامل للطبيعة أو للظواهر بل إلى جانب أنها دعت للإيمان بتفسير ظواهر الطبيعة باعتبارها من خالق مقتدر.. فقد حاولت أن تغرس في وعي الإنسان قدرته على النظر والتصرف والتدخل بها بحدود معينة .. فالإنسان حر إلى حد ما وهو يصنع خاتمته ومصيره وفقا لأعماله .. فالدين يقوم على ساريتين الإيمان والعمل والإيمان يشمل الغيبيات والقدر لكن العمل بدوره يتضمن في طياته إقرارا بدور الإنسان في صنع مصيره وحريته وإرادته وأثر تلك الحرية والإرادة وهو معنى انه مكلف ومسؤول عن عمله أي بمعنى انه حر.
فما الذي حصل إذا ؟؟
قلنا في الحلقة السابقة (9) وفي الفقرة الأخيرة منها أن الثقافة اختطفت –والدين أحد مركبات الثقافة وعناصرها المهمة .. وفي أمتنا العربية فالدين هو معظم الثقافة وهو ما يشكل عقل ووجدان الإنسان بالكامل تقريبا إلى جانب السلطة السياسية التي توظفه لهذا الغرض – فمن هذا الاختطاف أن بعض المذاهب فيما بعد جنحت إلى تعظيم الجانب القدري والتقليل من شأن الجانب الآخر إلى حد إلغائه بالكامل أحيانا .. وأقصد به ذلك الجانب الذي يعلي من قدرة وإرادة الإنسان وتأثيره في صنع واقعه .. بينما سعت- أي تلك المذاهب- لتعظيم الجانب الأول الذي يفسر أحداث التاريخ تفسيرا قدريا إلى حد أنه لا جدوى من تدخل أو محاولة الإنسان.. بمعنى إعلاء دور القدر والخالق في تقرير مصير الإنسان وكل ما يحصل له والتقليل من دور إرادة الإنسان ذاته في صنع وتقرير هذا المصير والتأثير فيه. وهو التفكير الذي يغلب ويسود بالمناسبة حتى الآن على العقل العربي كعقل قدري بنسبة كبيرة منه..ولهذا حكاية طويلة .. ذلك أن تلك المذاهب التي حرفت الفكر الديني عن مساره الصحيح كانت تلتقي في طرحها مع توجهات السلطة .. من حيث أن القدرية كحزمة متكاملة وحيث السلطة فيها بدورها هي وكيلة لله في الناس وواجبة الطاعة حتى لو كانت طاغية - حتى لو جلد ظهرك وأخذ مالك- هي تخدم السلطة المستبدة وتعطيها قوة وشرعية .. لذا فقد دعمت تلك السلطة مثل ذلك التوجه والتيار في الدين كونه يخدمها بينما أضعفت ورمت إلى النسيان والإهمال المتعمد التوجه والتيار الآخر الذي إلى جانب الإيمان أراد أن يعطي للإنسان والعقل دورا وأهمية في التأثير بمجرى التاريخ وصنعه .. وهكذا وبحلف معلن وغير معلن بينهما فقد اختطف الساسة والفقهاء الدين وأدخلوه النفق ..,
---------------------
(تمت تجزئة الموضوع تجنبا للإطالة على القارئ لذا فثمة تتمة ضرورية ستجدونها لاحقا وشكرا..)

الاربعاء, 01 اغسطس, 2007
هناك عالم نفس أمريكي - ولا يحضرني الاسم حاليا - يرى أننا في النهاية لسنا سوى صورة مشاهدة للفكر وتجل من تجلياته .. فنحن -يرى- لسنا شيئا سوى أفكارنا أو " كما نفكر فإننا نكون" .. وعلى هذه القاعدة الذهبية تعتمد بعض مدارس تعديل السلوك والعلاج كالبرمجة اللغوية العصبية والحرية النفسية .. الخ. باعتبار إذا غيرنا في تفكير الإنسان غيرنا في أشياء كثيرة تتعلق به ومنها المشكلات التي يعاني منها لأنها تكون ناشئة عن طريقة تفكير معينة إذا زالت زالت معها مشاكلها . . وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات (العقل الجمعي).
وفي رائعته رواية النورس جوناثان ليفنغستون يوظف ريتشارد باخ جيدا نفس الفكرة بأسلوب مدهش ورائع.. نورس البحر "جوناثان ليفنستون" الذي فكر على نحو آخر مختلف تماما عن بقية النوارس وبأنه طائر غير محدود وبإمكانه أن يطير بارتفاعات عالية جدا .. بل وذهب إلى أن للطيران أغراضا أخرى غير التهويم على سطح الماء لالتقاط الطحالب والقشور والعوالق..بل وظيفته الاستكشاف والتحليق؟ ..وفكر أنه عندما يتوقف النورس عن التفكير بأنه طائر محدود خلق للتهويم على سطح الماء لالتقاط العوالق عندها فإن أشياء كثيرة سوف تتغير ويمكن له أن يتعلم أن للطيران أغراضا أخرى غير التفكير في جمع القوت .
أغضب جوناثان بتفكيره ذاك قطيع النوارس التي تعودت أن النورس لا يحلق عاليا ولا يطير إلا على سطح المياه .. وانه حينما يطير إنما لالتقاط قوته لا غير.. فقاطعته ووجد نفسه في عزلة وحيدا بسبب طرحه اللامألوف ومخالفته للقطيع.
راح جوناثان يجرب لوحده فوق الخلجان والجروف البعيدة نظريته الثورية تلك .. عانى لكنه استطاع أن يصبح ما فكر به إن في سرعة الطيران أو في التحليق لارتفاعات عالية أو في البحث للطيران عن وظائف وأغراض أخرى غير التهويم على سطح البحر لجمع القوت . منتقلا ومستكشفا لعوالم أخرى محققا نتائج مذهلة مستمتعا بلذة الكشف..وليعود بعدها ويخبر القطيع بإنجازاته ويقدم خبرته لمساعدتهم . وهذه العجالة لا تغني عن القصة الرائعة المليئة والمشحونة بالفكرة والمضمون الهادف .
في نفس السياق هناك أيضا ما يمكن وصفه بأنه برمجيات العقل باعتبار أن العقل يشبه إلى حد ما الكمبيوتر في أن له جزئين .. وباعتبار أن العقل هو غير الدماغ الذي هو أداة من أدوات العقل البيولوجية وليس هو العقل ذاته.
فجزءه المادي وهو الدماغ والجهاز العصبي والغدد الصم ونوافذه على العالم (الحواس الخمس وما بعدها (كالاستبصار) وهو يناظر في الكمبيوتر المكونات الصلبة كالمعالج المركزي والذاكرة والذاكرة المؤقتة ...الخ.
وجزءه اللا مادي وهو الفكر والثقافة والمعتقدات ومنظومة القيم ....االخ وهو يناظر البرمجيات في الحاسوب كبرنامج التشغيل والبرمجيات التطبيقية الأخرى.
وكما أن جهاز الكمبيوتر حتى لو كانت إمكانيات المكونات الصلبة هي إمكانيات هائلة ومتفوقة فإن هذا لا يفيد إن كانت المكونات الرخوة أو "البرمجيات software " هي بمواصفات متخلفة كأن تلقم لجهاز بنتيوم 4 برنامج تشغيلي ويندوز 93 مثلا .
كذلك هو العقل فجودة وتفوق مواصفات الدماغ (الذكاء والقدرات العقلية) لا تغني شيئا إن كان البرنامج الثقافي والمعرفي الملقم لها بسيط ولا يساعدها في استغلال تلك الإمكانيات وإطلاق تلك الطاقات. بل يكبلها ويجعلها تفكر في الأشياء بصورة خاطئة وهذا بالضبط ما يحصل ويجعل العقل العربي سطحي أو جزئي في تفكيره .
والكثير مما يكبل طاقات العقل العربي إنما يكمن في البرمجيات ذاتها أيضا ، أي في (الثقافة والأفكار) المستخدمة والملقمة له .. وقد مثلنا لذلك بالكمبيوتر.. والثقافة المعنية هنا هي بمفهومها السيسيولوجي الكبير بكل ما تتضمنه في داخلها من مركبات بعضها تم تطعيم الثقافة به عن قصد لاعتقال العقل وبعضها الآخر ترسب في تلك الثقافة نتيجة معطيات تاريخية متعددة أو بفعل اختطاف الثقافة عن عمد وقصد وحقنها بمركبات معادية للعقل الحر ومن ثم تجييرها للاستبداد ذاته .. لذا فجزء كبير من تلك الأزمة أيضا يكمن في ذات برمجيات العقل وهو ما ألمح له أحد الإخوة المتداخلين أو المعلقين على إحدى الحلقات دون أن يشير له صراحة أو يذكره لكن اكتفى بالقول أن هناك اعتبارات وأصنام أخرى تكبل العقل غير التي وردت في الحلقات السابقة فاجبته أننا آتين لها . . وقد تكون لنا عودة لهذه النقطة وبتفصيل أكثر.
<<الصفحة الرئيسية