الجمعة, 27 يوليو, 2007
.. في مدينة الحرية الساحرة :
الميزة المدهشة والرائعة التي تتفوق بها صحافة النت أو النشر على النت بشكل عام على سلفها الصحافة التقليدية الورقية هي السمة التفاعلية وتحقيق إمكانيات البث الحي والمباشر التي لم تكن متاحة للمطبوعة الورقية عدا عن مزايا أخرى كثيرة ومهمة لا تتوفر في النسخة التقليدية سنستعرض بعضا منها في هذا المقال.
فالسيولة والمرونة التي تتيح سلة إمكانيات مدهشة من مثل حفظ المادة والتعديل عليها وإعادة طباعتها في أي وقت ومن ثم إرسالها وتبادلها الكترونيا ...الخ من المزايا المرنة والتفاعلية. بخلاف الصحيفة أو المطبوعة الورقية التي هي نسخة صلبة بعد مدة تصفـَر أوراقها وتغدو غير قابلة ربما للقراءة حتى فضلا عن الحفظ والتصرف بالمادة.
وعدا عما تحققه النت للكاتب والباحث من سرعة واختصار للجهد والوقت حيث المقالة بسرعة الفكرة ذاتها أو سرعة إرسال بريد الكتروني ، فإن روعة السمة التفاعلية تكمن في أنك تأخذ التغذية الراجعة على فكرتك أو أفكارك مباشرة وعلى الفور..فيصبح المتلقي شريكا لك في صناعة الفكرة . فتتيح لك –أي السمة التفاعلية - إمكانية التحاور مع القراء، فإما تقنعهم من خلال محاورتك لهم بطرحك إذا كانت لهم اعتراضات فتزيد الفكرة قوة وتأييدا .. وإما يقنعوك هم بوجاهة ما يطرحون فتعدل بدورك أفكارك بناء على هذا التفاعل الحي المباشر.
كل هذا لم يكن متاحا في المطبوعة الورقية حيث تقول كلمتك وتمشي مرغما حتى لو رغبت بالبقاء لجانبها.. ودون أن تعرف من قرأك ومن اتفق أو اختلف معك وما هو وجه اختلافه ..وهل هو محق في هذا الاختلاف أو انه اختلاف مبني على فهم خاطئ لما تطرح فتكون لديك الفرصة لتصحيح فهمه أو تصحيح فهمك إذا كان اختلافه معك مقنعا ..الخ.
فرصة البقاء إلى جانب أفكارك أو بمعنى آخر إلزام النت بطبيعتها لك للبقاء وليس قول كلمتك والمشي بعدها .. هي فرصة نادرة وهو إلزام ديموقراطي حضاري ما كانت الصحافة الورقية تتيحه أو تلزم الكاتب به .. حيث الكاتب يلقي أفكاره من عل ويمضي .. وحيث القارئ بدوره ليس أمامه غير خيار وحيد هو التلقي دون المشاركة والتفاعل.. وربما كان في خاطره أن يعلق أو يعترض أو يضيف أو يؤيد لكن لا يستطيع لأن ذلك الحبل مقطوع بينه وبين الكاتب والمطبوعة.
هذا عدا عما بات يعرف بالصحافة الشعبية أو البديلة المتمثلة بالمواقع الشخصية والمدونات مما خلق طيفا واسعا من الخيارات والإمكانيات لتداول الأفكار وانتقالها بحرية.. وحيث لا تجد نفسك تحت رحمة المحرر ومقصه لإرسال مادة بالبريد والطوابع قد تنشر وقد تنام نومة أهل الكهف فيذهب جهدك هباء!! على النت الأمر مختلف حيث المقال بسرعة الخاطر ..وحيث تستطيع أن تنشئ موقعك الخاص أو مدونتك لتكون هي صحيفتك التي تنشر بها فكرك ورأيك ولا رقيب عليك إلا عقلك وضميرك.
عدا عن البريد الإلكتروني ذاته .. حيث لكل كاتب أو قارئ في العادة بريد كهذا مما يتيح لهما معا التواصل وتبادل الرأي في مسارات أخرى غير صفحات المطبوعة وبذات السرعة والسهولة عبر البريد الإلكتروني كمسار آخر للحوار وأخذ التغذية الراجعة .. وكنافذة أخرى مشرعة للتفاعل والتواصل حول الأفكار المطروحة بخصوص ما قد لا تسمح به أو تستوعبه المطبوعة ذاتها حتى.
وهذا هو معنى قولنا أن النت فتحت آفاقا رحبة وواسعة للحرية والوعي بنوافذها المتعددة والمشرعة حيث سرعة الوصول والانتشار وتخطي الحدود وإتاحة إمكانيات أكبر لتداول وانتقال المعرفة بسهولة أكبر وانتشار أوسع وتفاعل أكثر حرارة وحرية..كما وجاءت لتتناسب مع كاتب تفاعلي حي وحاضر مع أفكاره كما شرحنا .. ملتزم بما يقول ومستعد لمناقشته بالتالي حر وديموقراطي ..ومع قارئ بدوره متفاعل ونشط مؤمن بالحوار والحرية.. وفي عصر النت وصحافة النت لابد للكاتب بدوره أن يُعدّل السلوك الكتابي بما يتوافق مع تلك المتغيرات ليكون كاتبا حيا تفاعليا حرا وديموقراطيا وليس إنشائيا جامدا يعد موضوعه في البيت ثم يسلمه للصحيفة ويمشي.
كاتب الانترنت قلنا كاتب تفاعلي ومباشر(حي) على الهواء.. وحاضر مع نصه وأفكاره حيث التفاعل الذي يلي النص أو المقالة هو أهم من النص ذاته .. وحيث يتحول النص ذاته إلى شبه دعوة للحوار .. فمن خلاله تتبلور الفكرة أكثر ومن خلاله تتولد الأفكار التفاعلية الحية والأهم ربما من الفكرة الرئيسة ذاتها .. فيكون للكلمة فعل واثر آخر أبعد وأعمق.
لكن بعض الكتاب وربما القراء ألـِفوا ربما الصحافة التقليدية وما زالوا يمارسون الكتابة على طريقة اضرب واهرب أو قل كلمتك وامشِ .. فتجد الكاتب لا يمكث لجانب أفكاره ليحاور قراءه وليناقش أفكارهم وردودهم ويبين لهم خطأ أو صواب اعتراضاتهم كحق من حقوقهم عليه مقابل حقه عليهم بالقراءة له . أو تجده يستمع لما يقال دون أن يبدي فيه رأيه ويتفاعل معه ..وهي سلبية تؤثر على اهتمام القراء بالكاتب ومتابعتهم له على المدى الطويل . سيما إن كانوا هم بدورهم قراء جدد وبمواصفات قراء النت التفاعليين الغير مستعدين للاكتفاء بدور التلقي ومكان التلميذ المستمع من أستاذه.
كما أن الكثيرين منهم-أي الكتاب- وكجزء من عدم تقبله أو تأقلمه مع ظاهرة صحافة النت وما ارتبط بها من سمات وظواهر صحية في غالبها تراه يضيق ذرعا بالمعلقين مثلا أو يستهجن الأسماء المستعارة والتي هي بدورها شكل من أشكال الحرية المضافة التي أنتجتها النت معها مما ساعد القارئ المتردد أو الهياب أو من لا يرغب بالشهرة والظهور على أن يقدم ويدلي برأيه ، ودون أن نغض النظر عن الاستخدام السيئ لهذه الإمكانية حينما يلجأ البعض من القراء والمعلقين وهم قلة لانتهازها فرصة للتجريح أو الهجوم الشخصي على الكاتب ظنا من البعض منهم أن الاسم المستعار يخفي هويته في حين تقنيا من السهل جدا معرفته في النهاية وهذه حقيقة لا يدركها من ليس لديهم إلمام تقني بالموضوع.. لكن ذلك السلوك والذي يصنف كسوء استخدام للحرية وللتقنية التي تتيحها لا يطعن في أهمية تلك الإمكانية أو يدعونا لإلغائها إلا إذا كان علينا منع استخدام السيارة مثلا لان هناك من يستخدمها للتشحيط والتفحيط.
ولعل هذه المطبوعة الإلكترونية الفتية "عــمـــون" هي مثال ومحاولة جريئة تكتسب جمالها ومعناها من تلك السمات .. ليس كشباك يلتقي عليه العشاق.. عشاق الفكر والحرية ليغازلوها بأفكارهم وحسب .. بل و ربما محاولة لتكون فضاءً أرحب وهايدبارك الكتروني وكقمر يلتقون على صفحة وجهه يتبادلون البوح بعشق الكلمة والفكرة الحرة.
من هنا ..ولكي يكون للكلمة المرئية أثرها ومداها المرجو فمن المفيد أن يدرك كاتب النت هذه المعطيات الجديدة.. وبأنه ليس كاتب صحيفة ورقية .كما أن قارئه لم يعد ذلك القارئ.. فهنا الكاتب يتوقع منه قارئه انه حاضر مع أفكاره واقف إلى جانبها .. حي على الهواء .. وتفاعلي.. يجعل القارئ يشترك معه في كتابه النص وتوليد الفكرة إن من خلال الردود أو من خلال التغذية الراجعة والردود على الردود.. وليس كاتبا إنشائيا ومعدا سلفا يلقي عليهم منشورا من طائرة. أو درسا من على خشبة مسرح ثم يغلق الميكرفون ويعود للكواليس كما كان عليه الحال أيام زمان.
وهي حقائق ومعطيات - قلنا - من لم يدركها ويستدمجها في عمله ككاتب فربما لن يستمر في الاحتفاظ بثقة واحترام وبالتالي متابعة القراء طويلا ..لأن قارئ اليوم هو قارئ بمواصفات النت وليس هو نفس قارئ الأمس الذي كان يتلقف مسلما بما يجود به كاتبه الذي قال كلمته ومشى .. قارئ اليوم وصاعدا يريد كاتبا يدافع عن موقفه وكلمته وبنفس الوقت يملك من الجرأة أن يتراجع عنها إن أثبت له قارئه خطأ موقفه .. وهي من بركات النت ومزاياها حيث قلصت الهامش بين الكاتب وقارئه وجعلت منهما الاثنين كاتبا وقارئا في آن معا فكما على القارئ أن يقرأ للكاتب فعلى الكاتب أن يقرأ للقارئ ردوده ويناقشها ويرد عليها باهتمام .. بل أحينا يجعل منها موضوعا لمقالته ذاتها ويستقي منها ما يكتب .

الاثنين, 23 يوليو, 2007
حاذر ،
سموم القهر
كالأفعى تفحّ :
رأس من الفولاذ مصمت
لا يرن ولا يئن..
يا أنت تعبده كما يهوى
يا أنت ملعون
ومحروم
ومتروك إلى دنيا
التردي والهوان..
وأقل ما يلقاك فيها
تهمتان..
قصر بعقلك مفرط يبدو
وطول في اللسان
****
راس من الفولاذ
آلته الغشيمة
لا تعي أبدا
ولا شيئا لديها
غير تعبدها يصحُّ
*****
راس من الفولاذ أكرهه
ويكرهني
يسلط آلة الطحن اللئيمة
كي تحطم أضلعي
إن لم أكن ترسا بآلته الغشيمة
في عبادته يُلحّ
****
رأس من الفولاذ
تقرعه
ومن ألم تئن
ولا يرن..
وليس يفهم ،
ليس يعذر
ليس يدرك
غير شيء واحد:
إن لم يكن صنما لتعبده
وإلا لا تكون.
*****
رأس من الجهل المعشش
والجنون
حربا على من ليس يعبده
يشن.

السبت, 21 يوليو, 2007
تميمة الألباب للخروج من السرداب
دائماً :
ثمة أصنامٌ علينا كسرها
حتى نرى من بعدها الأشياءَ
إذ تبدو وحيدة.
*****
دائماً…
ثمة أصدافٌ
علينا َنقفها عنا
لكي نخرج مراتٍ
إلى الدنيا الجديدة.
****
دائماً…
ثمة آفاق تُغَشّينا
علينا فَضّها عنا ِمراراً
لترى الروح مدىً
أبعد مما تدرك العين الوئيدة.
****
دائما..
ثمة أشياء
وأسماء
ودنيا بين أيدينا
كقِن تحتوينا،
تحجب الرؤيا البعيدة.
*****
دائماً…
نحتاج أن نبقى على أزمنة منّا،
مسافات من الأشياء
كي لا تحتوينا.
في التفاصيل الزهيدة
*****
دائماً يمكن أن نبدأ…
بل نحتاج أن نرجِع
كيما نبتدي
من أول السطر مراراً
ندخل العُمر مراراً،
نلج الدنيا ولادات عديدة
لنرى الأشياء
بالعين التي عدنا بها
رؤيا جديدة.

الاحد, 15 يوليو, 2007
نقد ومراجعة من تغذية راجعة ثانية ً..
في ردودهم وتعليقاتهم التي أثـْرت الحوار على المقالة السابقة.. جاءت جملة من معان مهمة تستحق التوقف عندها ومناقشتها مجددا.. وإذا كنا نذهب إلى أن الفكر وآلته "العقل" هو المسؤول الأول عن أي واقع جيد أو رديء.. فكان من المنطق والصواب الاتجاه له - أي الفكر - لنقده وتهيئته ليكون بمستوى الصعود للحرية .. وباعتبار أنه إذا أردت أن تغير شيئا عليك أن تغير النظرة له والتفكير فيه. وهو معنى : " ....إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم... الآية " أي عقولهم وتفكيرهم ..و إلا ، فإذا كنت تعتقد أن هذا الشيء هو ما تريد فكيف تتخلى عنه أو تغيره ؟ وبتعبير آخر نقولها : " نِصف الاستقامة معرفة العِوج" أو إدراكه.
عدد من المحاورين الأفاضل أشار إلى أن احد أهم أسباب السمة الجزئية للعقل العربي التي اشرنا إليها في المقالة المشار إليها .. والمحدودية التي تلازمه وتجعله منشغلا دوما بذاته واحتياجاته الآنية لتصبح منظارا يرى الدنيا من خلالها - هي برأيهم أن تلك المُلِحات من الحاجات تضغط على ذلك العقل وتأسره دائما بجاذبيتها رغما عنه ولا تتيح له ما هو أبعد وأكثر عمقا وعمومية منها. . مستدلين على ذلك بسلم أو هرم ماسلو للحاجات مثلا*.. وأجدها فكرة جديرة بالتوقف عندها ومناقشتها .
قد نتفق مبدئيا بخصوص سلم الحاجات والأولويات ودورها في توجيه التفكير وجهة ما وجعله محدودا بحدودها ، ربما وإلى حد ما ، لكن رغم الاتفاق جزئيا مع ماسلو وسلمه .. ربما تكون لي رؤية ما تتعلق بالسياق الذي يخصنا كعرب وتطبيق سلم ماسلو على هذا السياق تحديدا .. وكيف أن العقل هنا قد أدمن مع مرور الوقت وطول الضغط أن يبقى أسير تلك الحاجات حتى لو حققها واكتفى منها.. مما يجعلنا نضع مع سلم ماسلو سلما أو سلالم أخرى ؛ سلم الاستبداد .. وسلم ترويض العقل على أن يظل محدودا بإدمانه هذا النمط من التفكير ..وسلم الأحوال العرفية .. وسلم أمن الوطن والدولة العربية الذي يربط كل شيء به ويؤجل كل شيء لأجله حتى أن اسرائيل مثلا وهي دويلة خاضت حروبا طاحنة وواجهت أمة بأسرها وانتصرت عليها دون أن تؤجل ولو ليوم واحد الديموقراطية أو تعلن الأحكام العرفية بذريعة ظروف البلد أو أمن الدولة!
وبذا لا نستطيع أن نحيل سمة جزئية العقل العربي ومحدوديته على انشغاله بالملح من الحاجات تماما .. إذ حتى لو اكتفى الإنسان العربي في ظل السياقات القائمة من الحاجات الأولية .. فقد طُبّع على نمط من التفكير المحدود والآني أدمنه وبات أسيره .. بل وحتى إذا فكر للانتقال لمستوى أعلى من التفكير تجده ينتقل لما هو متاح مما يتساوق مع ما هو استبدادي .. ومع ذلك الأسلوب من التفكير الذي أدمنه .. بالتالي يظل أسير تلك الحالة . لذا علينا أن لا نركن لهذه المقولة بالكامل أو نحيل سمة الجزئية والمحدودية في العقل العربي عليها تماما . ورغم أهميتها وأثرها الذي لا ننكر.. لكن علينا أن نبحث معها عن علل أخرى.
وجزء من مهمة وهدف هذه السلسلة من المقالات هي أنها محاولة لوخز وإيقاظ العقل وتنبيهه لتلك الحالة التي تلبسته واعترته كي لا يوغل أكثر في الأسر والاستكانة لها وإدمانها ويبقى مدركا لسمتها المرحلية. ولندله أو نحاول على علل أخرى غير علة العوز والحاجة .
ولاهتمام بالعقل هنا يأتي باعتبار العقل آلة الفكر .. فلا يمكن أن نهيئ الفكر لصعود الحرية ما لم ننعش العقل ونصلحه كآلة لإنتاج الفكر ونوجهه للطريقة التي ينتج بها فكرا قائدا للصواب .. صاعدا أدراج الحقيقة والحرية والتقدم ؟ من هنا كان علينا أن تصطدم بذلك العقل ونواجهه بتلك الحقائق الصادمة وإن شئت المنعشة من غفلته والمنتشلة له من سردابه.
صحيح أنه في الغالب- إلا ما ندر وهو استثناء - أن الإنسان الجائع أو الخائف لا يستطيع أن ينتقل لمرحلة الفكر الأعلى من القوت أو ما هو بمستواه من حاجات .. وبالتالي القدرة على الاشتغال بقضايا يشترك بها مع الآخر .. أي لأهداف أعلى وأسمى من تلك الحاجات..لكن هذا الحكم بدوره نسبي .. فقد يؤجل الإنسان أحيانا حاجاته الخاصة أو يقتصر على الحد الأدنى منها ويؤثر عليها الانشغال بالتفكير بما يشترك غيره فيه معه .. رغم كونه غير مكتف ذاتيا من تلك الاحتياجات ..لكن إدراكا منه لحقيقة أن تلك الخصوصيات والاحتياجات الذاتية ستتحقق له بشكل أفضل إذا هو أنجز تلك العموميات.. وإلا لو كان لدى ماسلو كل التعليل فيفترض إذا أن الشعوب التي حققت مستوى دخل وأمان معيشي جيد أن يرتفع مستوى التفكير لديها ويتجاوز بطابعه تلك السمات الملحة والجزئية لكن هذا ما لا نلمسه؟ مما يدعونا أن لا نحيل كل الظاهرة تماما على ماسلو؟ ونبحث لها عن علل أخرى.
مثلا ثمة شبه إدامة وإدمان مبرمج لحالة الاستغراق في المُلحات.. في شبه الهاء متعمد وطويل الأمد يُحدث بدوره مع التكرار إدمانا على طريقة تفكير معينة وينعكس على طبيعة العقل والفكر ذاته على المدى الطويل .. بحيث حتى لو حقق الإنسان تلك الاحتياجات البسيطة والأولية واكتفى لا ينتقل لتلك المرحلة التي يفرغ بها من ذاته واحتياجاتها ويبدأ يفكر باحتياجات أعم يشترك بها مع الآخرين كالحرية والمشاركة والإحساس بالاستبداد وثقله ..الخ . وكأنما كان ذلك شبه تمرين وترويض ممنهج جعله أدمن تلك الحالة وأسر العقل في وثاقها فلم يعد قادرا أن يفلت منها أو يتصور أنها من مخلفات مرحلة فرغ وانتهى منها ..متقوقعا على أغراضه الخاصة حتى لو لباها واكتفى.. بل وحتى لو فكر بحاجات أعلى تكون هي الحاجات والمسموح بها والمتاحة من قبل الاستبداد كالبذخ والوجاهة وتوظيف تلك الوجاهة في خدمة الاستبداد وعقد صفقة معه ضد العقل والحرية إلى ما هنالك من أغراض محدودة لأنه غدا عقلا مُغتَصبا ومضبوعا فلا يمكنه أن يكون إلا محدودا وآنيا وساذجا ..بل ولا أبالغ لو قلت ومتآمرا على ذاته وعلى من يريد أن يطلقه من عقاله .. تماما كحالة العبد سليل العبيد وربيب العبودية يرفض حريته ويخاصم من يدعوه إليها ويصطف مع آسره على نفسه لأنه لم يتعود أن يحيا بدون سيد متبع مطاع بل ويحس بالضياع لو تخيل نفسه بلا سيد!!
هنا .. هذه السلسلة في جزء من مراميها هي "محاولة" للفت انتباه العقل لهذا النفق والشرنقة كي لا يتورط في تيارها الجارف ويبقى متيقظا من أن تأسره في سردابها.. وأن يظل على حذر ومسافة منها وفي ذهنه أن ما هو فيه هو الحالة المؤقتة والعابرة وغير العادية التي عليه العمل ذائبا للخروج منها والتعامل معها بصفتها المرحلية.. وليس التوافق معها والتطبع عليها كما لو كانت أصلا ودائما .
وهي – أي هذه السلسلة من المقالات- محاولة رغم اعترافها بالضروري والمُلح وأهميته والذي إن لم يتوفر لم يستطع الإنسان العادي الذي هو الغالبية المؤثرة أن يفكر بغيره ويصعد على السلم لسواه ربما ؟- لكنها بنفس الوقت في جزء من أهدافها صيحة في العقل أن لا يأسره ذلك الضروري ويدخله نفق الإدمان والمحدودية ليغدو طابعا له وسمة دائمة غالبة عليه حتى لو أنجز ذلك الضروري من الحاجات وفرغ منه.. وهي بنفس الوقت- أي هذه المحاولة - في جزء آخر من أهدافها ولكي تكتمل حلقتها هي بمثابة نقد وتعرية لذلك الإلهاء المستمر والمبرمج بكشفه والتنبيه له وتحذير العقل منه بصفته شَركا خفيا .. وتحذيره من قدرته بصمت على تحويل مسار العقل وحبسه على تلك الحاجات منذ قرون حتى انعكس على خصائص ذلك العقل والتفكير ذاته ..درجة أدمن معها نمطا من التفكير المُلح والجزئي في كل أحكامه حد الظلم لنفسه وسواه. وهذا تلمسه حتى في أحكام الناس اليومية خلال تعاملك معهم .. وهُم ليس بالضرورة من العوام بل أحيانا من النخبة والمثقفين حتى.. أحكام في منتهى الظلم والقسوة والاجتراء على الحقيقة .. إلى أن غدا ذلك سمة غالبة على العقل وخاصة من خصائصه في شبه انتهازية عبودية وسيكولوجية مشوهة ومضروبة .
هنا نحاول بإلحاح تذكير العقل بتلك السمات التي ربما غدت جزءا من عقله الباطن لا يدركها إلا بأن يأتي من يحفر في باطنه ويدله عليها .. وكي لا يقع أسيرا لذلك الشرك المعد بعناية.. ويبقى على أهبة الاستعداد له متذكرا دوما أن تلك الحاجات والملحات ليست هي كل ما يمكن للعقل أن ينشغل به ويحتله ويدمغه بدمغته ويسمه بوسمه الآني والمحدود.
------------------------------------------
*..للمزيد راجع الردود في المقالة المشار إليها في الرابط أعلاه.

الخميس, 12 يوليو, 2007
.. نقد ومراجعة في تغذية راجعة :
ليس تقليلا من شأن الحديث عن المطلبي واليومي والمُلح إطلاقا .. فرغيف الخبزلا يقل أهمية عن الحرية مثلما الحرية لا تقل أهمية عن رغيف الخبز . . فلن تكون حرا إن كنت جائعا ..كما أنك لن تستطعم وتستمرئ رغيف الخبز إن كنت فاقدا للحرية والأمان.. لكنك إن كنت أمام الخيار الصعب ستختار الحرية على الرغيف . . وهو ما عبر عنه فارس بني عبس قديما بقوله :
"لا تسقني ماء الحياة بذلة ..... بل فاسقني بالعز كاس الحنظلِ"
وفي العادة فإن لغة التناول تتأثر بطبيعة القضية المتناولة .. فلكي تكون لغة ٌ ما جديرة بالبحث في الحرية أو مصير الإنسان أو ...الخ من القضايا الكبرى فلابد لها أن ترقى لمستوى القضية التي تتناول وتكون هي ذاتها حرة ولها قامة الحرية والإنسان.. اقصد هناك مستوى وشكل من التناول تفرضه القضية المتناولة ذاتها ..لكي يفي الطرحُ القضيةَ حقها ويتناغم مع طبيعتها وجوهرها . وإلا فلا يمكن أن تتناول القضية الكبرى بنفس الطرح والأسلوب الذي تتناول به شانا يوميا أو ملحا مثلا.
مع الإدراك الجيد مسبقا أن هكذا محاولة طموحة وجسورة تذهب إلى استبدال السمكة بشبكة للصيد هي محاولة ليست باليسيرة .. أقصد محاولة حمل العقل على التفكير في الأبعد من اليومي والمُلح وما هو علة وسبب ذلك اليومي وبما يشبه تمرينا ذهنيا لذلك العقل يروضه على التفكير الأرقى من مجرد الحاجات الضرورية والمُلحة سيما إن كان عقلا استبدت به تلك الحاجات زمنا وسُلطت عليه لكي يظل محدودا في نطاقها وأسيرا لها ، هي محاولة ليست باليسيرة.
ذلك أنك إن أردت أن تستخدم لغة الخطاب اليومي والملح لمناقشة ما ليس بيومي وإن كان ملحا مثله .. فإنك ربما لن توفق في حقن العقل بتلك الشحنة التي لا بد منها لتهيئه وتحمله على مشاركتك ما ترغب وتطمح إليه. وبنفس الوقت لن توفي ذلك الشأن حقه من الوصف والتصوير بمستواه وقيمته.
وبالمقابل إن أنت استخدمت ما يليق بالحالة من أسلوب تناول ولغة من شأنها أن : تفلح في تجسيدها ووصفها من جهة .. وتفلح في أن تكون إكسيرا وتمرينا جيدا للعقل وحالة تستفزه للخروج من إسار ما يعتقله من شأن يومي مُلح من جهة أخرى .. ربما نفر ذلك العقل منك واتهمك بالجفاء معه أو تعمُّد قَول ما لا يُفهم . معادلة لا تخلو من صعوبة ..أليس كذلك؟
ولأن الشؤون اليومية والملحة ربما لا تحتاج لكاتب آخر يضاف للعشرات قبله .. لأنك إذا تصفحت صحفنا كلها وجدت هذا الشأن يستأثر ويستبد بنسبة كبرى من الكتابات سواء كان هو شأنا مطلبيا ملحا أو سياسيا ملحا أو ثقافيا مُلحا ...الخ من المُلحات - على أهميتها وأهمية طرحها وتناولها - ويستأثر بنفس النسبة من اهتمامات القراء ومتابعتهم أيضا .بالتالي فتلك القضايا مغطاة جيدا وتحظى بالاهتمام من الجميع..بينما الجانب الآخر الذي كنتُ أصلا عزوت لغياب الاهتمام به قدرا كبيرا من أسباب تخلفنا تجده غائبا تماما تقريبا عن التناول والطرح .. وإن تُنُوِل من قبل الكاتب فلا يفلت بالمقابل من أن يكون غائبا عن المتابعة والاهتمام به من القارئ .. بحيث تجد القارئ في الغالب الأعم يبحث عن مقالة تتحدث عن شح المياه في الصيف مثلا أو ارتفاع فاتورة الكهرباء أو ما شابهها رغم أهمية متابعتها .. لكنه ربما لا يلحظ ولا يلتفت لمقالة أخرى بجانبها تتحدث بشمولية أعلى وكمثال عن الطبقية أو التفاوت الاجتماعي الذي يجعل فئة تبدل ماء برك السباحة يوميا بينما فئة أخرى لا تجد ماء لتشرب .. مع أن المقالة الثانية أنجع في تشخيص وحل المعضلة من الأولى .
..فكان من الطبيعي والحالة هذه وفي ضوء هذا العرض أن أتسق مع نفسي وطرحي من حيث أنني عزوت أحد أهم أسباب تقهقرنا الحضاري لغياب الاهتمام بالفكر الأصيل والمنهجية التكاملية وشمولية الرؤيا والحل .. وتراجُعه لصالح : إما التهويم في الفراغ والشطح (الحداثة المصطنعة ) أو اللهاث وراء المُلح المتكرر يوميا والغرق فيه وفي اسر دوامته .. لذا ركزت على هذه الناحية محاولا في شبه عصف ذهني إثارة الأسئلة وخلق حالة من التداعي والتداعي المقابل (الحراك الذهني) حولها .
وحينما مثلا تتحدث عن التخلف العربي أو الاستبداد ونقيضته الحرية والوعي .. فأنت تتحدث في معاني مركبة ومكثفة ومزمنة ، ولا بد والحالة هذه لكي توفيها حقها في التناول أن تتناولها بلغة مكثفة كي تستطيع أن ترقى لمستوى تناولها سيما أنه تناول محكوم بمساحة مقالة في صحيفة.. وإلا فلن تستطيع..أو سيكون تناولك بدوره آنيا وفجا.
وفي مهاتفة مع أخينا الكريم الأستاذ سمير الحياري أبي أسامة (ناشر عمون حيث أكتب هذه السلسلة) تركزت في معظمها حول ذات المسالة .. تقاربنا في الطرح بأنّ قلة التفاعل والردود على مثل تلك المقالات يعزى إلى خصائص العقل العربي الذي هو في الغالب عقل جزئي .. لا لعيب في مكوناته سيما البيولوجي منها حتى لا تكون هي نظرية عرقية .. لكن لأنه هكذا دُرب وربي وفرض عليه أن يكون.. وتلك تركة قرون طويلة من تفريز وتجميد العقل ولفت انتباهه عن المهم لكي يظل وشغله الشاغل مفردات حياته اليومية كمفردات منزوعة من سياقها .. فلم يألف ثمرات الفكر بصفته محاولة لرسم الإطار الأعم للأشياء ومغامرة للغوص والإبحار في الذات (الداخل) والآخر (الخارج) .. وهو دائما- أي ذلك العقل- يهرب لما يستسهل من المسائل والقضايا المسطحة والآنية والملحة.. فتجد عشرات الردود مثلا على مقالة تتحدث عن الغلاء أو فاتورة الكهرباء أو شح المياه أو انقطاعها أو ما شابه .. ودون أن يلتفت إلى أن الحديث عن الحرية مثلا هو حديث يشمل كافة الانقطاعات وهو احتجاج عليها بالجملة في إطار نسقي شامل ، لأنه عقل قلنا قد رُوض على أن يكون جزئيا وآنيا ومباشرا يهتم بعلاج المفردات دون النظر في إصلاح السياق الذي ينتظمها جميعا ..أو النظر فيما إذا كانت هذه المشكلة أو تلك هي بسبب مشكلة أخرى جارة لها أو بعيدة عنها كل البعد لكن كل واحدة منهما علة للأخرى.
ومن يريد التأكد من صدقية هذا القول فليستعرض صحفنا ومطبوعاتنا بشكل عام..سيجد الغالب الاعم من محتواها ينصب على تيار الحياة اليومي .. وأن غالبية الكتاب يغرفون مما يواجهون ويلمسون يوميا سواء في حياتهم الخاصة أو لدى الآخرين أو في الأخبار .. وهو قلنا جانب مهم بل لعله الأهم في المدى الآني .لكن هناك ما هو أهم منه للمدى الأبعد والأشمل (الآتي).. وليس من العدل أو المجدي إغفاله .. كونه الإطار الذي ينتظم كل المفردات وفيه محاولة حل كل المشكلات بدلا من معالجتها كمفردات متناثرة. في حين نغفل السياق الذي ينتجها فتبقى المعالجة في إطار وحدود تلك المفردات. ومن هنا جاءت هذه السلسلة من المقالات التي هي في جزء من أهدافها أشبه بمحاولة للتأصيل لفكر الحرية والوعي وذهنية الرؤية الشاملة .. وتمرين حي لربط اليومي بإطاره الكلي والمابعد يومي .. كما فعلت قبلنا أمم أخرى وأفلحت بما فعلت .. وهو ما تطرقتُ له في المقالة الثانية (2) من هذه السلسلة.
وكان منة نتيجة ذلك اكتشاف مدى حاجة مطبوعاتنا لتغطية هذا الجانب المهم وتنمية هذا النهج في التفكير والتناول كجزء من تمرين وقدح زناد العقل .. كون الجانب الملح والآني قلنا مغطى جيدا في حين أن الإطار الأعم ولأشمل أو ما يمكن اعتباره علة كل الظواهر الجزئية هو الأقل تغطية وتناولا .. إلى حد اعتباره يتيما . وأن جزءا من الحل هو بإعطاء العقل مزيدا من الجرعات المحفزة والمحرشة على التفكير ليألف ويتعشق نصوص الفكر كما يتعشق تلك النصوص والمقالات التي تتنناول همومه اليومية..وعلى طريقة (وداوه بالتي كانت هي الداء).
ومن هنا كما رأينا مما سبق تفرض طبيعة القضية على الكاتب طريقة التناول فيبدو صعبا أو مبهما ربما كما عبر أحد الأخوة في رد له في مدونتي* إضافة لما شرحناه بخصوص عدم تعود العقل على هذا النوع من الطرح والتناول مما يجعله يبدو صعبا ومستغربا أحيانا ..ومن هذا وذاك ينشأ ضعف التفاعل مع هذا اللون من الكتابة والتفكير ..لكن نبل الهدف يستحق الصبر والمتابعة لترويض العقل على صعود مرتفعات الفكر والحرية.
------------------------------------------
*تنشر هذه السلسلة هنا وفي صحيفة عمون الإلكترونية ..والإشارة هنا لمكالمة جرت مع ناشر الصحيفة.
** إشارة لرد على المقالة السابقة (4) من قبل أحد الأخوة هنا في المدونة.

السبت, 07 يوليو, 2007
* في التوظيف الاستبدادي للغة :
يُمكن وصف الاستبداد أو تشبيهه بالآلة من حيث هو نسق أو سياق متكامل يعيد إنتاج ذاته ومنظومة القيم التي تخدمه وتديمه .. ويعمل على تكريسها وإدامتها بما يتضمنه ذلك من مناوأة وإضعاف لأضدادها وبشكل تلقائي ودائب "آلي" .
وهو وصف مقصود للتعبير عن أن الاستبداد نسق معد ليعمل بصورة تلقائية.. ويفعل فعله في الأشياء ومن ضمنها الناس والعقل والتفكير أوتوماتيكيا وبمعزل ليس عن إرادة الناس أنفسهم بل وحتى عن إرادة القائمين على تلك الآلة ومشغليها.. تماما كالآلة عندما تديرها تتحرك بمعزل عن إرادتك ووفقا لقوانين خاصة بها صممت لتعمل وفقا لها .. فالمحرك أو المولد مثلا يفعل فعله في مزيج الاحتراق وينتج ما صمم له فإما ينتج الحركة إن كان محركا أو ينتج الطاقة إن كان توربينا أو مولدا وهكذا.
إنه نظام متكامل وهكذا يعمل كنسق متكامل لينتج فعل التعسف والاستبداد .. ليس كنظام كحكم وإدارة فقط .. بل كطريقة حياة لها أنساقها وفعلها في كل جزئية من حياة الناس بحيث يصطبغ كل شيء بصبغتها .. فهي ليس فقط تنتج ما صممت لإنتاجه بل وفي طريقها أيضا تنتج ما صممت للتغذي عليه من أجل الاستمرار في عملها وإنتاج ما تنتج .. والآلة قلنا لا تستثني صانعها أو مشغلها من قوانينها فصانع السيارة أو مستخدمها سيان عندما يكون بداخلها سواء كقائد أو كراكب.. ويكون ذات المستبد أو رأس هرم الاستبداد خاضعا لتلك الآلة محكوما لعملها بل هو أول من يتلقى ضرباتها لكن ثمة ما يجعل تأثيرها عليه بالمقابل محتملا أكثر من سواه.. ويكمن سبب ذلك في كونه المنتفع الأول منها لذا يعادل ويلاشي عنده نفعُها ضررها ..بل ويرجح عليه .. بخلاف الضرر الذي يتكبده الناس من غير عزاء . وأعطينا لذلك مثلا كسارة أو (بابور الزلط ) .. فصاحبه ومشغله يصيبه الغبار والضوضاء لكن لأنه مستفيد منه فهو يحس بذلك الضجيج كأنه موسيقى في أذنيه..
وآلة لاستبداد في هذه الحالة أشبه ببوابةٍ.. كل شيء يمر من خلالها وتدمغه بدمغتها فيكون كل شيء استبداديا بامتياز :
فالفكر .. والأخلاق والأعراف ..والقيم .. والدين..والثقافة .. والعلوم .. والاقتصاد ......الخ ،
بل والزمان أيضا .. فقد اعتاد القدماء مثلا في ثقافتهم وأدبياتهم أن يضيفوا الزمان للسلطان .. وينادونه "يا صاحب الزمان" .. ومن الأقوال لديهم " إذا تغير السلطان تغير الزمان " .
وكذلك المكان: فقد اعتادوا أن يقولوا مثلا سيف الدولة صاحب حلب .. أو حلب سيف الدولة ومصر كافور وهكذا.....الخ.
ومن الأشياء ذات التأثير العميق والبعيد الأثر التي تمر من تحت تلك القنطرة فيدمغها الاستبداد بدمغته وتوظف استبداديا هي اللغة والنصوص.
ولا نبالغ لو قلنا أن الإنسان من حيث العقل وطريقة التفكير هو على نحو ما يقل أو يكثر ابن للغته وتجل من تجلياتها .. لكن بنفس القدر فاللغة أيضا بنت إنسانها وتجل من تجلياته في جدلية متبادلة بينهما .. بحيث ينعكس تراكميا كل ما لدى الآخر على الآخر..فبانحطاط اللغة ينحط التفكير وبدوره حينما ينحط التفكير يودي لأن تنحط اللغة ..فتحرص آلة الاستبداد على إنتاج نص ولغة مظلمة مفترية من شأنها أن :
- أولا تمجد المستبد وآلته وتفتري على الحق وتجتري على الحقيقة بكل دم بارد .. وفي نصوص مدونة تشهد على ذلك الافتراء بلا حياء ! فالتاريخ يزور والفقه يروض والثقافة تدجن وكله لكي ينتج منها خلاصة وعصيرا يصلح وقودا لكي تستهلكه تلك الآلة المتوحشة وتستمر في الحياة.
- وبالمقابل تحقر تلك الآلة كل من لا يمجدها وتسعى لعزله وإقصائه وتنعته بنعوت منفرة بشكل مبرمج .. فهو الحسود والحقود والطامع والخارجي والمتآمر وعدو الله –وكأن المستبد هو الله -....الخ من نعوت. فتضمحل بذلك وتذوي لغة الحقيقة والصدق ونصوص العقل والفكر الرصين لتسود نصوص ولغة الفجاجة والقبح.
وهكذا لغة مبرمجة بصورة مدروسة وغير مدروسة من شانها أن تفعل فعلها في أنفس الناس فتميت فيهم أي ميل لاحترام الحقيقة واحترام الذات .. وتسمية الأشياء بأسمائها ووصفها - ومن ضمنها الاستبداد ذاته - بما هي أهل له .. لأن هناك سياق عام طاغ كالسيل الهادر كله ينصب في ذلك الاتجاه الممجد لتلك الآلة الشوهاء المتوحشة وإلقاء ظلال على ما سواها سيما ما يخالفها .
والإنسان بطبعه كما تعرفون لديه غريزة إكرام الذات والميل لصونها عن الإهانة والضعة..حتى ولو كان التزامه بالحق هو ما سيسبب له ذلك ربما تخلى عن قول الحق حتى يحفظ نفسه من الإهانة ويصونها عن التحقير.
فتنتج من كل ذلك أنفسا وأناسا بجينات خاصة متوافقة مع هذه اللغة الشوهاء الناسفة لأي تطلع للحرية والأنفة والكبرياء الوطني والحمية والمروءة لدى شعب من الشعوب..وتفتك بهذه المعاني في نفوس الناس وتسعى لقتلها وطمس صورتها من الأنفس. وتناوئ من يتصف بها أو يتطلع لاقتنائها .
فيعيد الناس بدورهم إنتاج ذات اللغة التي تتجنب أي إشارة لذم الاستبداد والمستبد في حين يغالون في ما يتساوق مع النسق الاستبدادي من نصوص وأقوال وأمثال وحكم بل وحتى آيات وأحاديث تمجد المستبد وتنفي عنه أي شائبة حتى أنك لتجد الآية الكريمة جارة الآية* ولِصقها ..هذه مشهورة جدا تتداولها الألسن ويجتهد في التفنن في معانيها المفسرون وتلك لا تكاد تسمع بها لأن الأولى يمكن تأويلها في الاحتجاج للمستبد وتثبيت أركانه أما الثانية فليست كذلك مع أنهما جارتان والثانية هي جزء من تفسير الأولى لكن تنتزع الأولى من السياق لتغدو وكأنها القرآن كله تماما مثل من يقول ولا تقربوا الصلاة ..!!
وهكذا ينحط الإنسان باللغة وتنحط اللغة بالإنسان في تراكمية مستمرة مثل اثنين تصارعا على حافة منحدر فانطرحا أرضا فكل واحد يشقلب صاحبه مرة .. وكل منهما في الواقع ينحدر بنفسه والآخر إلى سحيق من ذلك المنحدر.
وإذا استعرضنا الأطنان الهائلة من النصوص العربية ونحن امة تعبد النص وتتعبد بالنص لوجدنا ما إنْ لتنوء به العصبة أولو العزم من النماذج والأمثلة المؤيدة لما نذهب إليه .. وهذه أمثلة عابرة لألسن وعقول شوهتها آلة الاستبداد فراحت تهذي بما لم تكن لتعقله أو تقوله لو رفع عن رقابها ذلك النير الثقيل البغيض..اسمعوا:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار!!!
أو:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجـرجر أذيالــها
فلم تك تصلح إلا لهُ... ولم يكُ يصلح إلا لها!
والصورة هنا في الأبيات لا تحتاج معها لمزيد من القول ..فالخلافة أو السلطة جعلت بصورة غانية أو عروس جاءته جاءته تتبختر وتجر أذيالها لأنه هو وحده من يصلح بعلا لها وهي وحدها من تصلح له فهو لم يخلق إلا للسلطة والسلطة لم تخلق إلا له .. وهذه مجرد نماذج عابرة وغيض من فيض من أطنان وأطنان كلها نصوص خادعة ومفترية ومجترئة على الحقيقة في تأليه وتمجيد السلطة وكأنما هي قدَر قدّره الله على الناس وليست إدارة من اختيارهم لخدمتهم وحراسة الوطن ومكتسباته وتقسيمها عليهم بالعدل..وهي يفترض تحت سلطة مراقبتهم ومحاسبتهم بقدر اكبر مما هم تحت سلطتها ومحاسبتها.
فعندما يسمع الإنسان العادي من الفقيه أو الشاعر كمثال كونهما هنا من منتجي النصوص وكانا من ذوي الرتب المتقدمة في المجتمع وطليعة فكرية وثقافية فيه .. وبما للشعر ذاته كنص أيضا من سطوة في امة العرب التي تتعبد لله بالنص .. عندما يسمعه يقول للمستبد فاحكم فأنت الواحد القهار فانه سيخَطئُ نفسه إذا كان يرى غير ذلك .. ويلوذ بالصمت قائلا فيما بينه وبين نفسه:
إذا كان هؤلاء (منتجي النصوص ) يرون في السلطان كل هذا فماذا أكون أنا لكي أرى فيه غير ما يرى الفقيه أو الشاعر أو .. الخ.
وهكذا سيلوذ بالصمت ويسكت.. وإذا عنده قول آخر ورأي مغاير يخفيه ويحتفظ به لنفسه في البداية ثم ينكره على نفسه في المنتصف ثم ما يلبث أن ينساه وينقلب ضده بفعل سيكولوجي معروف وهو أن الإنسان مع الوقت يتخلى عما لا يمكنه إظهاره واستخدامه والانتفاع به ويستبدله بما يمكنه استخدامه.
وحيث أن رأيه في آلة الاستبداد هو مما لا يمكن له استخدامه وإذا استخدمه فلن ينتفع به بل على العكس ربما يشعر انه سيؤذيه سيتحول سيكولوجيا إلى الرأي المضاد وهو التساوق مع اللغة الاستبدادية وإعادة إنتاجها كما في نص الشاعر السابق.
وهكذا ترون كيف يوظف الاستبداد حتى اللغة والكلمات التي هي بدورها لها تأثيرها وسلطتها على الفكر والنفس فيتشوه كل من الإنسان والفكر وينحط كل منهما بالآخر في جدلية تراكمية متواصلة .
وهذا هو سبب مهم من أسباب انحطاط الفكر والإبداع في الأمم المستبدة سيما منها ذلك النمط الاستبدادي الذي توظف فيه اللغة والفكر في خدمة آلة الاستبداد وسدنتها ولنسج نصوص في تمجيدهم وتسويغ استبدادهم لا غير بينما تحارب أية أفكار أو نصوص تحترم الحقيقة وتضع الفكر والكلمة بمكانها الصحيح.
-----------------------------------------
*مثلا الآية الكريمة (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوا فيها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) ممنوعة في بعض الإذاعات العربية بينما تجد آية من مثل (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ...) لا تنزل من على ألسنة فقهاء السلطان وبتفسير وفهم خاص يتساوق مع سياق الاستبداد ذاته . . وهو مجرد مثال يحضرني هنا وغيض من فيض .

الاثنين, 02 يوليو, 2007
حداثويون بلا حداثة
-------------------
"إن المثقف إما أن يكون حداثيا أو لا يكون مثقفا" - ويقصد حداثة النص هنا - عبارة لأحد الناطقين باسم الحداثة العربية تطلق حكما مبرما يتضمن في طياته تحكما يختصر الكثير من الاجتراء على العقل وقمع الآخر بتسفيهه وتجريده من أي حق في أي يقول شيئا إذا لم يكن بمواصفات يريدها صاحب ذلك الحكم الذي هو من يقرر في النهاية من هو المثقف وغير المثقف .. وهي عبارة تساوي تماما أن تقول: إذا لم تر العالم بنظارتي فأنت أعمى .. أو : إما أن تكون معي وإلا فأنت ضدي؟! هذا عدا عن أن الحداثة المقصودة في العبارة ليست هي حداثة الحياة أو حداثة الفكر أو الموقف أو الحداثة السياسية أو الاجتماعية لكان الأمر أهون -رغم رفض العقل للأحكام الباتة بهذا الشكل - لكنها حداثة النص أي الشكل ..وهي مفارقة أخرى تضاف لمفارقة إطلاق الحكم ذاته؟!!
والعبارة تختصر الكثير في تفسير قولنا أن من تنطحوا للحداثة عندنا لم يكونوا هم المؤهلين لرسم حداثة حقة مؤهلة لحمل كل السياقات بشكل نسقي وكلي وبالذات الحرية التي هي مناخ كل فعل راقٍ وإبداع حقيقي.
لأنه لا يمكن للعالِم أو المفكر الأصيل الفكر أو الفيلسوف مثلا أن يطلق حكما كهذا أو شبيها له ويقول لك إذا لم تؤمن بنتائج ما توصلت له فأنت جاهل أو متخلف أو إذا لم تر العالم بنظارتي فأنت أعمى .. وهنا الفرق .
وهنا ميزة أن يجترح الحداثة عالِم ومفكر أصيل( كما حصل لدى الغرب مثلا ) أو يتنطح للحديث عنها فئات أخرى دورها وموقعها الحقيقي هو أن تكون منفعلة ومترجمة للحداثة عاكسة لنتائجها في مراياها لا من يدعي صنعها وابتكارها.
قبل أن يبدأ العالم خطوته الأولى يكون مسبقا آمن بمسلمات العلم ومنها أنه نسبي النتائج وهنا يكمن اتفاق العلم مع الحرية والديموقراطية وقبول الآخر.
وكذا الفلسفة من حيث هي من تقدم للعلم مسلماته وبديهياته (منهجه) ثم هي مَن تتفحص وتنقد نتائجه في مدى تطابقها مع الواقع من جهة واتساقها الكلي مع غيرها .. فإنها بالتالي هي أصلا من أعطت للعالم تلك السمات المتسامحة التي غدت شيئا في أصل منهجه الذي يؤمن به أساسا .
ومن هنا قولنا أن من تصدوا وانبروا لصنع التغيير في الغرب كانوا تنويريين حقيقيين من طبيعة عملهم ونتاجهم أنه أولا يقبل النقد والمراجعة ولا يدعي العصمة والأبدية وليس هو تهويمات وطلاسم في حلقة ذكر خاصة لا يدخلها سوى المريدين والعارفين بالأسرار .. وثانيا أنه كان مؤثرا وله انعكاس مباشر وفعال على الواقع وليس متعاليا في برج عاجي .. حتى الفلسفة ذاتها التي يظن البعض أنها طلاسم وحجب وشطح خاص ما هي في الواقع إلا قراءة متعمقة وإعادة اكتناه متجدد للواقع تعيد إنتاج ذاتها ورؤيتها مع كل جديد.. لكنها قراءة أكثر رقيا من أن تكون انشغالا بالجزئيات والتفاصيل واستغراقا فيها. فهي تنتج المادة الخضراء اللازمة لحياة الفكر والعلم وتقدمه ويناعه .. وليست هي قفزا إلى النغمات الجاهزة لكنها كتابة النوتة ذاتها ...ومن هذه سماته فهو الخليق بأن يكون ما ينتج هو الوقود الملائم للتقدم والتغيير والمادة الحية والدماء الدفاقة في أوردته .
ومن هنا أيضا يأتي نقدنا لمن تصدوا لدور حاملي قبس الحداثة لعالمنا من حيث كونهم ليسوا هم المؤهلين لصنع حداثة ناضجة متسقة فكانت حركتهم أشبه باستباق ساهم في أن إجهاض الحلم وصادر على المجتمع حقه في التشكل الطبيعي .
ولكون عبارة حداثة وبعد حداثة عندنا بالذات ارتبطت واشتهرت أكثر شيء في عالمنا العربي في ميادين النقد الفني والأدبي فقد يتبادر لذهن القارئ ربما – وهو معذور- أن الحداثة المنقودة والمقصودة هنا هي الحداثة الفنية أو الشعرية والأدبية .. والتفات الذهن لهذه الناحية بالذات متوقع لأن كلمة حداثة وما بعد حداثة هي من المصطلحات التي ارتبطت في الذهن العربي بالذات بهذه المجالات قصرا وتحديدا . ففي هذا الميدان أكثر من سواه سمعوا هذه الكلمة تتردد ويثار نقع حولها . بالتالي فحيثما ذكرت الكلمة قفز للذهن ذلك الميدان الذي ارتبطت به واستحضر من يلهجون بها ويدعون نسبها إليهم .
لذا يجدر بالتنويه هنا أنه لم يكن ذكر ما عرفت بالحداثة الفنية أو الأدبية مقصودة لذاتها في هذا السياق من الحديث الذي هو ليس تقدا فنيا أدبيا أصلا ولا هو مخصص لذلك ، لكن لأنه لا يمكن لمن ينبري لنقد سياقات العقل العربي ويحاول تهيئة التربة الصالحة للحرية والوعي إلا أن يمر بنقد تلك السياقات التي مارست عملية السلق والابتسار إياها .. لكنه في سياق نقد سياسي اجتماعي لدورها السالب ضمن وهم حداثات أخرى غيرها كانت زائفة ومضللة بدورها ولم تترك أية رسالة أو تأثير على واقع الحياة بقدر ما كانت هي حداثة أصحابها وحدهم وموضتهم الخاصة بهم والزي الذي لم تشترك معهم الجماهير في لبسه.. بل والذي تباهت وتعالت على الجماهير به .. ما عدا ذلك فإن هذا الحديث غير مخصص لنقدها أو أنه مقصور عليها.
*حداثة وبعران..
---------------
وفي حين لم تكن مثل تلك الحداثة – إن كان يصح توصيفها بالحداثة أصلا – منهجا فكريا متكاملا وتيارا من الوعي أثر في الواقع وانعكس عليه أو تأثر به وانعكس عنه . . فإن خطيئتها الكبرى التي تضاف لكونها وهم حداثة واستباق صادر على حق المجتمع في المرور بأطوار التشكل الحقيقي وامتلاك حداثته الحقيقية – كانت هي تعاليها على الواقع وتسفيهها للآخر بما يشبه في تأثيره نفس تأثير الاستبداد والقمع الفكري .. فكانت هي أشبه بالطريقة وحلقة الذكر التي لا يدخلها غير المريدين.
فنحن الأمة الوحيدة التي اكتفت من الحرية بتحرير القصائد والقطيعة مع الجذور بينما تركت العقل يرسف في قيود التخلف ...وتركت الإنسان يرسف في قيود الاستبداد.. بل أكثر من هذا سخرت منه وأقصته لأنه ليس من المريدين الذين بايعوا شيوخ الطريقة ..بل وأكثر من هذا وذاك أيضا كان سدنتها ونخبويوها يعقدون صفقاتهم حتى مع الاستبداد ذاته إن بصورة واعية أو غير واعية . وكان تسفيه الآخر والتعالي عليه ووصمه بالجهل والتخلف هو أحد أهم مفرزات وسمات تلك الحداثة الوهمية التي هي ذاتها تختصر التخلف كله.
وبينما كان العربي ما زال يركب البعير ويسمع بالكهرباء ولا يراها ويستضيء بقنديل الزيت ويتدفأ على الحطب ، كان بعض مروجي بضاعة الحداثة الزائفة تلك يمارسون طقوسهم الخاصة في شبه حلقة ذكر على منوال رامبو واليوت وسواهم ... وكأنهم يعيشون في مكان آخر ولا يشاهدون يوميا نماذج لراكب الحمار والمستضيء بقنديل الزيت ..بل ويمارسون التعالي والفوقية عليهم ..وبينما كان إليوت يكتب عن واقع يعيشه هو كان حداثيو العرب يتوهمون ويهومون ويسبحون في السراب السرمدي.. ويكتبون على المنوال ذاته دون أن يمروا وتمر أمتهم لا بثورة صناعية ولا فكرية ولا بحربين عالميتين مع كل ما أدت له من تحولات جعلت من تحولات الفكر والفن أمرا شرعيا مقبولا ومفهوما ..وقفزا من على ارض صلبة لا وثبة في فراغ. فكانت أشبه ببذور مهملة حملتها الريح من شتى الحقول لتصنع منها أشتات نبت وأشباه حقول مبعثرة لكن متشابهة بحيث أن كمشة من أي موضع منها تغني عن سواها.
إن هذا الحديث يرينا كيف كان أصحاب حداثة الفن والأدب هم بدورهم ممن باعوا الناس وهم حداثة .. واستبقوا الأمور وصادروا حق الناس في أن تكون لهم حداثتهم الحقيقية فكانوا بذلك أشبه بروافد وأذرع للتخلف والاستبداد من حيث يدرون ولا يدرون . ليس هذا وحسب .. بل واتهموا الناس بعدم الفهم وتعالوا عليهم وجعلوا من أنفسهم نخبة كان لها نفس سلوك النخب الأخرى التي هي بدورها تمارس الاستبداد الفوقي ..إن كان استبداد وتعاليا لغويا أو سياسيا أو ثقافيا أو نصيا ...الخ.
وبينما كنا بحاجة لحداثة في الوعي وحداثة في التفكير والمنهج تنتج عنها كافة أشكال الحداثات الأخرى ومن ضمنها الأدبية والفنية .. فإن ما حصل هو أننا قفزنا إلى نتائج النتائج دون أن نمتلك المقدمات التي تحملنا إليها وتجعلها ثمرة طبيعية ناضجة في سياقها الطبيعي . سيما أنها مقدمات ضرورية جدا كالنتائج وليست مجرد وسائل وأدوات إذا توصلنا للنتائج بدونها يمكن الاستغناء عنها .. فهي الأدوات والآليات التي نحتاجها باستمرار والتي لا بد من امتلاكها لإعادة الإنتاج المستمرة ولنتحكم في ما ننتجه من حداثة ونعيد تشكيله وتعديله كل مرة وفقا لما تقتضيه الضرورة والحال وما يحمل مجتمعاتنا برفق وتؤدة ويضعها على الطريق الصائب في شبه مراجعة دائمة للمقدمات وفقا للنتائج وللنتائج وفقا للمقدمات وباستمرار تبعا للمرحلة والمحطة التي يصلها قطار الحداثة ..لكن هذا لم يحصل لدينا أبدا.
إن من تصدوا للنقل عن الحداثة الغربية وتنطحوا لدور السفراء لها عدا عن كونهم ليسوا هم المؤهلين لهذا الدور فقد أخطأوا الطريق الصحيح إليها فذهبوا لرافد بعيد من الروافد يغرفون منه في حين لم يكن هو نبعها الصافي ولا موردها العذب .. فالحداثة الغربية قلنا لم تكن يوما مذهبا في الفن أو الأدب ..بل هي بل هي خلاصة مذاهب فكرية فلسفية ونظريات علمية مع تطبيقاتها التقنية كانت لها أولا تجلياتها في الحياة ذاتها بسياقاتها المختلفة .. فكان من الطبيعي أن تنعكس في الـأدب كأحد تجلياتها وكسياق من السياقات التي انعكس عليه تأثيرها .. وحينما يتغير نهر الحياة ذاته فطبيعي أن ينعكس هذا التغير في شكل النبات وطعمه ولونه ومن ضمنه الأدب والفن .. بينما لدينا حدث العكس. . وكمن يريد أن يتخذ الرافد منطلقا لتغيير النهر وهذا غير ممكن .. ومن كانوا من الفئات التي يفترض أنها منفعلة بالحداثة متأثرة بنتائجها ومستهلكة لها في بلاد الحداثة الحقيقية هم الذين تأولوها وبشروا بها وتنطحوا لادعاء صنعها وهذا أيضا غير ممكن فكانت هذه هي النتيجة.
<<الصفحة الرئيسية