الاثنين, 25 يونيو, 2007
ينعكس التقدم العلمي التقني والفكر الخلاق بصفته تنويرا ووعيا على الحياة بسياقاتها المختلفة ومنها الحرية والإبداع بشتى تجلياته.. ويخلق جوا يهيئ الفكر لتصعيد الحرية .
والصيرورة والتغيير هي قانون الكون الأزلي..
يقول هرقليطس أحد فلاسفة الإغريق من المدرسة الميتافيزيقية "انك لا يمكن أن تعبر ماء النهر مرتين".. ويشمل هذا الكونين: المادي الطبيعي والبشري الاجتماعي ..فهما في صيرورة دائبة ومستمرة .. فالتغيير هو الثابت الوحيد وما عداه فمتحول..
وفي كل المجتمعات البشرية ثمة صيرورة مستمرة لا تهدأ كماء النهر .. وإن لم تكن في بعض المجتمعات ملحوظة لبطئها..ولكونها تحدث على مدى أجيال عدة فتصبح بمثابة تغيير طبيعي أكثر مما هي تحديث ناجز وملموس.... فلا يشعر به الجيل السابق لأنه لا يحدث في حياته ولا الجيل اللاحق لأنه أيضا لم يعش الحياة السابقة ليلاحظ الفرق كما أنه لم يشارك بالتغيير بقدر ما هو من صنع عوادي الزمن .. مثلا انتهاء الخلافة العثمانية كان تغييرا لكنه لم يكن تحديثا أو حداثة لأنها انتهت بالمرض والموت ولم ينشا عن ذلك تغيير جذري وملموس في طرائق الحياة ولم يكن هو بدوره قد حدث نتيجة تغيير فاعل في السياقات أدى إليه..
يحدث أحيانا كذلك ، وهو من أشكال التحديث الزائف ، أن جماعة ما أو فئة ليست هي المؤهلة ولا من يملك أدوات التغيير ومفاتيحه أن تنبري وتتنطح له وتدعيه وتوهم الناس به .. وبما يشبه عملية اختطاف وتنطح ودون أن تعنى بتحديث الواقع أو تكون هي صورة وانعكاسا لواقع تحدث فعلا بقدر ما هو انتهاز لظرف او تمظهر بالحداثة وادعاء لها بشكل مبتسر وكقفزة بهلوانية في الفراغ.
وفي الغرب كمثال أنجزوا مشروعا فكريا متكاملا أسهم بدوره في تغيير حقيقي أو ما يمكن نعته بأنه التأصيل الفكري الفلسفي لحداثتهم الخاصة .. حداثة فكرية علمية تقنية انعكست أولا في طرائق الحياة والنظم المجتمعية والسياسية ومن ثم بالطبيعة في جوانب الحياة الأخرى كافة كنتيجة من نتائج تلك الحداثة الطبيعية .. فكانت حداثة في سياقها الطبيعي من حيث هي نتاج لحداثة في الفكر والرؤية ترجمت وتجلت في شتى مناحي الحياة وسياقاتها .
لقد كانت الحداثة الغربية بداية منهجا فكريا فلسفيا .. أو إن شئت قلت هي خلاصة عدة مناهج وفلسفات واتجاهات ونظريات علمية ونتيجة من نتائج تفاعلاتها في سياقها الطبيعي .. ثم كانت لها بالتالي تجلياتها في سياقات الحياة المختلفة.. كما ولم تتصد للحداثة فئة ما من المجتمع لتجعل منها موضة أو تقليعة للتباهي وقاتا يتعاطاه الخاصة .. أو ولتستبق السياق ولتصادر حق المجتمع في نهضة شاملة وتغيير مؤثر مستعيضة عنها بوهم حداثة أو حداثة مبتسرة معزولة عن سياقها الكلي في جزيرة معزولة. بحيث يتنطح من يفترض أنه مستهلك للحداثة متأثر بها لدور المنتج والمدعي لها .
كما وقد كان للحداثة الغربية آباءها الشرعيون في الفكر والفلسفة ومناهج التفكير ومن ثم في العلوم وتطبيقات العلوم (التقنية ) : فالفلاسفة والفلاسفة السياسيون والاجتماعيون وفلاسفة المنطق والمنهج العلمي والعلماء والمخترعون والسوسيولوجيون والمصلحون الإجتماعيون والسياسيون ...الخ .. كان العالم كبلر وكوبرنيكوس وغاليليو وماكسويل ونيوتن وداروين وأينشتاين .. والفليسوف كانط وديكارت وهويز ولوك وبوبر وكون وبيكون .. والمفكر مونتيسكيو والسوسيولوجي كونت ودوركايم .. والمخترع أديسون وماركوني ورودلف ديزل والمصلح مارتن كنج...الخ - التسمية هنا على سبيل المثال ومجرد نماذج وأمثلة لمن كانوا هم وقود الحداثة والتغيير ومحركاتها - كل هؤلاء هم من وضعوا مداميكها وشادوا أبنيتها .. لذا فقد تصدى للحداثة ونهض بها أهلها أو وسد الأمر لأهله كما في العبارة المتداولة .. فكان لديهم فكر حداثي وعلوم حديثة وتكنلوجيا حديثة ..الخ ، وكانت تلك هي روافع ومحركات التغيير والتحديث التي انعكست بدورها في طرائق الحياة وسياقاتها المختلفة وفي النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية . وكان منها نهضة حقيقية شاملة...الخ.
إننا ونحن نكتب عن تهيئة الفكر لصعود درج الحرية في بلادنا المتخلفة .. وكجزء من ذلك علينا أن ننقد تلك السياقات التي ادعت واهمة أنها أثرت الفكر الحداثي في حين أن المدقق يكتشف دورها السالب والفوقي والمعطل.. علينا أن نحرر العقل والفكر من تأثيرات تلك السياقات الخادعة والمضللة تحت لا فتات حداثوية وتقدمية.. إن التخلص من ادوار الحواة والسدنة ممن لم يقدموا لفكر الحرية أي إسهام سوى ممارسة دور السدانة والكهانة ولعب دور الحواة .. إذ قد نستغرب حينما يقودنا العصف الذهني والتداعي الحر إلى أن إسهامات حسبت نفسها على التقدم والتغيير والحرية مارست في الواقع أدوارا مضللة وكانت في حقيقة امرها مصدات وعراقيل في وجهها أكثر منها أدراجا تصعد عليها الحرية إلى غايتها المنشودة..
يتبع..

الاربعاء, 20 يونيو, 2007
مع ذهاب وانتفاء المعرفة اليقينية المطلقة أعادت الفلسفة ومعها العلوم ترتيب أوراقها من جديد على أساس أن ما نعرفه عن العالم ليس بالضرورة يمثل حقيقة ووجها وجوديا لهذا العالم .. بقدر ما يمثل فكرتنا وتصوراتنا عنه والتي لا يوجد ما يلزم العقل أنها يقينية وثابة ثباتا مطلقا ونهائيا .
ولعل دارسي الرياضيات والفيزياء ألموا بتلك التحولات الهائلة التي عصفت بما كان يظن أنها نساق صارمة ونهائية .فبعد أن ظن العلماء أن ثمة بقايا بسيطة وأجزاء إذا تم تفسيرها فإن العلم سيمتلك انساقا ونظريات علمية متكاملة مفسرة لكل شيء في الكون إذا بهم فجأة أمام دهليز ينفتح على أسئلة لم تخطر لهم على بال تعيد خلط وترتيب الأوراق من جديد ليتداعي كلية تقريبا ما كان يظن انه كامل ونهائي وأبدي.
ففي الفيزياء تداعت الفيزياء النيوتونية بالكامل تقريبا لتحل محلها النسبية ومن ثم أتى من يعقب عل النسبية ذاتها بعدها.. وهكذا إلى أن وصل العلماء إلى أن النظرية الكاملة هي وحدها نظرية اللايقين أو نسبية المعرفة وهي غير نسبية اينشتاين.
وفي الرياضيات لم تعد الإقليدية التي تعتمد على الحدس المكاني وتنطلق من مصادرة أن المكان مستو أو مسطح هي النسق الرياضي الوحيد لأننا ببساطة اكتشفنا أنه لا يوجد ما يلزمنا أن المكان مسطح ..وبناء على تغيير هذه المصادرة الأساسية تتغير الكثير من القضايا والمقولات المبنية عليها تلقائيا ..فإذا انطلقنا من مصادرة كون العالم مكورا مثلا أو مقعرا تنتج عن ذلك قضايا جديدة تختلف باختلاف التصور الذي صدرنا عنه .. فمثلا اذا انطلقنا من كون المكان مقعرا..فمن القضايا الناشئة أن جموع أو زوايا المثلث أقل من 180ْ (بولياي ولوباتشيفسكي) .. وإذا كان محدبا فهي أكثر من 180 ْ حسب نسق (ريمان)وعليه قس .
ونشا عن ذلك نتائج مهمة حيث بات ينظر للنسق العلمي بانه ينتمي إلى مصادر وتصورات فكرية أكثر مما هو إلى حقائق وجودية ثابتة .. ونشأ عن ذلك أن انفكت وانفصلت الرياضيات عن المكان ونشأت رياضيات تجريدية رمزية لا تعتمد الحدس المكاني في مقولاتها ومصادراتها الأساسية .
وكان من نتائج ذلك وانعكاساته في الايدولوجيا بدوره هو انتفاء ادعاء الحقيقة أو الصواب المطلق أو امتلاكه ..فمثلا بينما كانت الحداثة أشبه بأيديولوجيا أو نسق له اشتراطاته المسبقة صارت عبارة على خيارات مفتوحة خاضعة لعمليات( الموديفيكيشن) أو (الأب ديتنق) المستمرة بحيث قد يخرج منها خيار ابتكر أمس فقط ويدخل إليها خيار ابتكر قبل ألف عام .. وهو ما يصفه البعض بأنه حالة من السيولة في المعرفة والفكر.
ذلك أنه إذا كان العلم ذاته الخاضع للتجربة الأمبريقية يكتشف في نهاية المطاف نتائجه نسبية الصواب وأنه لا يوجد ما يثبت أن ما نعرفه عن هذا العالم هو صورة يقينية مطابقة لهذا العالم بقدر ما هو صورة ما نتخيله أونتصوره عنه في النهاية فما بالك بالافكار والايديولوجيات الاجتماعية والسياسية ...الخ.
وحلت تبعا لذلك السيولة في الفكر والمعتقد والأيديولوجيا مكان الصلابة والحتمية والثبات.. حتى المعتقدات الدينية التي كانت لا تقبل النقاش وفي منتهى الصلابة تأثرت وانفتحت فبتنا نرى سيلا من الفتاوى في المسألة الواحدة وتراجعا عن مواقف كان ينظر لها على أنها نهائية وباتة .. وأعطى هذا مزيدا من الحرية والانطلاق للفكر فلم يعد من سدنة وقيمين على العقل ولم يعد تبعا لذلك ثمة من يخجل من أفكاره خوفا من أن يتهم بالرجعية أو التخلف يوم كانت التقدمية والحداثوية (باكج) كامل وعقيدة إما أن تعتنقها أو فالتهمة بالتخلف والرجعية جاهزة....اليوم بإمكانك أن تختار بنودا ونقاطا من أكثر الأفكار حداثوية ومن أكثرها قدما ليكون لك إيديولوجيتك الخاصة الفردانية .
انه وبرغم الانعكاسات السلبية لعهد ما بعد الحداثة وما بعده وللسيولة التي يمر بها الأشياء ومن ضمنها الفكر إلا أن لهذا جانبه الإيجابي على الحرية الفردية والجماعية أيضا ..وفي تخفيف قبضة الأنساق والإيديولوجيات الشمولية المتكاملة التي كان عليك إما أن تعتنقها كتابع ومبشر وتكون بداخلها تماما بحيث لا ترى إلا الجدران الداخلية للهيكل .. أو فأنت بعرفها نقيض وخارجي ومعاد ورجعي...الخ التصنيفات.
إن هذا يهيئ شروطا طيبة ومواتية لانفتاح العقل وانطلاقه من عقال الأيديولوجيات الشمولية ليفكر في جو صحي ويتنفس هواءً نقيا من غبار الأفكار المفروضة إن بقوة السلطة أو بقوة العقل وسطوة الأيديولوجيا ذاتها.

الاربعاء, 20 يونيو, 2007
السلطة التي لها الحق أن تحكم وترسم وتبيع وتشتري وترسمل وتعين وتعزل وتحاسب وتصنف الناس وفقا للولاء لها وتراقبهم وتمنح وتحرم وتهين وتكرم..
لكن ليس لك الحق حتى ان تشاركها في مجرد النقد والاعتراض ولو كان مجرد ثرثرة كلامية هذه اليست آلهة على الأرض؟

الخميس, 14 يونيو, 2007

الخميس, 14 يونيو, 2007
بدأت كقضية رأي عام مع بدايات القرن الماضي وما زالت تتفاعل إلى اليوم .. إنها مسألة المرأة العربية وأحيانا يُوَسع الإطار فيقال المسلمة ودورها في الحياة والظلم المفترض انه واقع عليها بشكل مقصود ومبرمج ...الخ. وفي الأدبيات تجلت تحت أسماء وعناوين شتى مثل : قضية المرأة .. حرية المرأة .. مشاركة المرأة وأخيرا تمكين المرأة ...الخ.
وبينما ترك سياق الزمن وأهمل كل ذلك الطحن والعجن من الكلام ، راح هو ووفقا لسياقه الخاص به وسيرورته وبهدوء يقرر بشأن المسألة ما يريد في كل حقبة من حقب التاريخ ووفقا لما يحدث من تغيرات في أدوات ورافع ذلك النسق غير عابئ بذلك الطحن والعجن .. استمر ذلك الطحن على وتيرة واحدة .. فلا تكاد تتصفح مطبوعة أو تستمع لقناة إلا وتجد لهذه القضية نصيبا من الصفحات وأثير الندوات ...الخ.
وشخصيا بت لا أستغلظ ولا أستغرب شيئا مثلما أستغرب رأي من يروجون لمقولة أن (المرأة ) - وبين قوسين المرأة تحديدا دون فئات المجتمع العربي الأخرى- هي مظلومة ومحرومة ومهمشة تهميشا متعمدا ومستهدفا لها بالذات عن سبق إصرار وترصد.. وبالطبع إذا كان لكل فعل فلابد له من فاعل فقد تعدد الفاعلون من كاتب أو منظر لآخر .. فهو مرة الرجل أو المجتمع الذكوري - وهو مصطلح تم نحته لهذه الغاية - ومرة هو المجتمع برمته ..وأحيانا لكن قليلا ما يشار للسلطة والسياسة مثلا؟ وكأن بقية فئات المجتمع هي في أحسن حال ووحدها المرأة هي التي تتآمر عليها كل تلك الفئات الأخرى لتستمتع بالحرية والرفاه دونها ؟ وهو قول لا يخفى ما به من سذاجة وسطحية تتضمن في طياتها التجني والتقليد المزري لأفكار مكررة ومستنسخة من مستنبتتات أخرى لها بيئتها وظروفها.
والسؤال الآن هو : هل لكلام كهذا رصيد من واقع الحياة يصدقه ويدعمه ؟ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هناك نسقا وسياقا اجتماعيا اقتصاديا تاريخيا هو من يحدد في النهاية الأدوار وهو ليس من صنع أي من الرجل ولا المرأة .. ويعمل بمعزل عن أفراد المجتمع ويخضع له الرجل قبل المرأة.. بينما ينحصر دورهم في خدمته وإدامته والانتقال معه بتؤدة وفقا لنقلاته وتحولاته.
والحديث عن دور أحد النوعين الرجل أو المرأة في الحياة ومكانته في المجتمع لا بد ينحصر في أمرين :
* مدى الاحترام والصون والمكانة الأدبية من جهة.
* ثم الدور المنوط به في حياة وبنيان ذلك المجتمع.
فمن حيث جانب الاحترام والتقدير والصون...الخ فالمرأة في هذا النسق برأيي كانت وما زالت مخدومة ومصانة يجتهد الجميع على راحتها بدءا من الأب والأخوة والعشيرة في بيت الأب ثم يضاف لهم الزوج فيما بعد .. ثم الأبناء بعد أن تنجب ويسندهم جميعا العرف والتقاليد الاجتماعية ...الخ . بينما كان الرجل وما زال والذي هو الأب والأخ والزوج والابن وابن الأخ وابن الأخت وابن العشيرة ...الخ هو الذي في مواجهة معمعة الحياة يتلقى عنها كل تلك الأخطار والشرور ويكفيها مؤونة كل ذلك في مجتمع كان في كثير من الحقب بلا قانون ولا مؤسسة حكم .. وكان خوض المرأة لغمرات الحياة في ظروف كتلك من شأنه أن يجشمها متاعب جمة هي وذويها والمجتمع -الذي يعتبر بهدلتها وإهانتها جرم كبير ومفسدة مضعضعة لبنيانه - جميعا في غنى عنها .
أليس هذا هو مجتمعنا العربي؟ كلنا خدم للمرأة منذورون لصونها وتوفير الاحترام والحياة الكريمة لها بقدر الجهد المستطاع ؟ أليست قيم وأعراف مجتمعنا العربي عامة تعلي من مكانة المرأة وتوفر لها كل الاحترام والمحبة والصون ؟ ولعله من فضول القول أن من تجليات ذلك أن عرض الرجل العربي والمسلم ارتبط بالمرأة وصونها .. فهو في هذه الأعراف يعد صائنا لعرضه وكرامته في مجتمعه بقدر صونه للمرأة التي تخصه أما أو بنتا أو أختا أو زوجة.
فمن عنده رأي غير هذا من واقع هذا المجتمع غاب عن بالي فليذكرنا به؟
وإذا كانت آداب أمة من الأمم تعبر عن وجدانها سنجد المرأة في الأدب العربي منذ ما قبل الإسلام وحتى اليوم استأثرت بكم عظيم من الاهتمام والاحترام والرفعة .. فالمرأة في الأدب ظهرت بصور شتى يجمعها كلها أنها تعبر عن الاحترام والإجلال الذي يصل حد التقديس مرات .... يكفي أنها من تستفتح قصائد مديح الملوك والسلاطين بمدحها والثناء عليها حتى قبل الممدوح ذاته:
بانت سُعاد فقلبي اليومَ متبــــولُ متيــــمٌ إثرهـا لــم يفــــدَ مـكبــولُ
وما سعاد غداة البين إذ رحـــلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحولُ
فالشاعر هنا رغم أنه يخاطب من هو أجل وارفع من كل أباطرة الدنيا .. ومع ذلك جعل صدر قصيدته للمرأة سعاد .. ولم يعترض الممدوح أو ينتقد ذلك وهو النبي عليه السلام.
أما بخصوص دور المرأة في الحياة العامة اجتماعية ومدنية وسياسة إضافة لدورها الطبيعي كأم وزوجة فهو يتقدم تقدما طبيعيا ينسجم مع تغييرات النسق الاجتماعي ذاته بل ربما هو سابق عليه حتى .. ذلك النسق الذي قلنا أنه لا يسمح لا للرجل ولا للمرأة بتخطي أوامره وحدوده وهو ليس من صنع أي منهما ..فالآن صار عندنا نساء في الجيوش والمحاكم والبرلمانات والحكومات وهو لم يكن قبل سنوات قريبة أمرا مقبولا حتى مجرد مناقشته. ولا أبالغ لو قلت أن الباب بات مفتوحا على مصراعيه بحسب همة المرأة ذاتها ورغبتها في المشاركة وما تسمح به ظروفها هي..كما أن دور المرأة وللإنصاف لم يكن في أي عصر من العصور مهمشا وملغى إلى ذلك الحد الذي يذهب إليه البعض ..طبعا وفقا لما يسمح به السياق قلنا ..فقد كانت راوية حديث ومحاربة وشاعرة وصاحبة مجالس علم وأدب ...الخ
أفلا تتفقون معي والحالة هذه أن كل ما يقال عن ظلم مدبر وممنهج للمرأة هو قول لا يعدو كونه هو بحد ذاته ظلم ناشي إما عن سطحية في التفكير أو تقليد ممنهج ومقصود؟
فالمسألة إذا للمفكر المدقق وليس الكاتب المقلد هي أنه لا يوجد ظلم مبرمج ومقصود ومخطط له لإبقاء المرأة في وضع دون عن سبق إصرار وتصميم.. لكن العملية برمتها مرهونة بتغييرات في النسق الكلي للحياة بأفرعه الاجتماعية الاقتصادية والسياسية ....الخ هذا بالنسبة لوضع المرأة في الحياة كدور.. أما وضع المرأة كانسان والاحترام والصون الذي تحظى به فقد بينا ذلك وأظن لا أحد ينكر أننا كلنا منذورون لهذا الغرض.
في النهاية أحب أن أعزز بالتكرار فكرة مهمة بثت خلال المقالة كلها وهي أن بعض من يكتبون يحاولون الإيحاء أن مشكلة المرأة المزعومة تلك هي مع الرجل أو ضده وهي سطحية أخرى يقع بها هؤلاء نتيجة التقليد والسلق لأفكار الغير .متجاهلين ان قضية المرأة والرجل معا هي ضد الظلم والاستبداد الذي سعى لتأخير روافع التقدم واذرعه والتي كان من شأن تغييرها وتحسينها أن تقفز بالمجتمع رَجلا وامرأة فراسخ وأميالا... والمفكر بعمق في شؤون الاجتماع البشري وسيرورته يكتشف أنه لا الرجل ولا المرأة يقرران شيئا بهذا الخصوص على شكل قرار يُحدث تغييرا سريعا .. إنما هناك سيرورة وسياق خارج فعلهما وإرادتهما يخضعان له معا .. فهناك نسق متكامل اجتماعي اقتصادي سياسي ثقافي (بالمعنى السوسيولوجي للثقافة) يخضع له الرجل ذاته قبل المراة .. وهو من يقرر ويرسم الأدوار ويترك للفرد هامشا ضئيلا من الحركة .. والخروج على ذلك النسق له ثمن باهظ وباهظ جدا يردع أيا من يحاول ذلك ويردع به .. وهذا النسق قلنا مرارا ليس من صنع أي من الرجل أو المرأة بل هو خلاصة جملة من العوامل المتشابكة وله صفة الاستقرار النسبي ما دامت تلك العوامل الرافعة والداعمة له مستقرة .. حتى إذا تغيرت تغير معها وهو ما نشهده الآن فالرجل عندما سمح النسق ببعض التغييرات وجدناه أول المرحبين وهو من يجتهد ويركض للبحث لبنته أو أخته أو زوجته عن مقعد الجامعة وعن الوظيفة ...الخ.
وأخيرا هذه همسة في أذن المرأة العربية :
لا تمسخي براءة الرجل فتجعليه يفكر ويتعامل معك كند وبطريقة الرجل الغربي واتركي تلك الهالة والمكانة التي لك في نفسه وخياله وقد انحدرت إليه من موروث بعيد أسهم بها الأدب والعرف والتقاليد ..الخ بأن لا تمسخي بالمقابل أنوثتك حين تفكرين أن نيل الحقوق هو بالانقلاب على تلك الأنوثة انتصافا من الرجل .. وكأن قضيتك ضده أو في مقابله..قضيتكما معا هي ضد الفساد والاستبداد وفي المجاهدة للتقدم وتغيير أذرع السياق الكلي للحياة فتتعدل الصورة تلقائيا .
--------------------------------

الاثنين, 11 يونيو, 2007
"جونو" تعرفون هو الإعصار العنيف الذي ضرب السواحل الشرقية لعمان والخليج العربي مطلع هذا الشهر، وتراوحت سرعة الرياح وفقا لتقديرات الأرصاد بين 130 -270 كم/ساعة مع أمطار غزيرة الهَطل ، وهو إعصار لم يمر على المنطقة مثله أو بعنفه وخلف دمارا كبيرا .. وقد أغلقت بعض المطارات وارتفع الموج حد فاضت المياه وطفحت في بعض المناطق إلى الشوارع والأحياء عدا عن الفيضانات الناشئة عن مياه الأمطار الغزيرة ذاتها!
وهناك تغيرات مناخية واضحة يلمسها حتى الإنسان العادي بلا مراصد على شكل تغيرات واضحة في اختلاف معدلات الحرارة والبرودة يين الفصول غير ما ألفها طوال حياته .. وفي الظواهر التي يتسم بعضها إما بالعنف والخطورة أو بالغرابة من مثل هطول الثلوج على مناطق كانت حتى الأمطار شحيحة فيها .. وهي تغيرات ربما تنذر بأضرار خطيرة جدا . ومعظمها نواقيس خطر لا تفتأ تدقها الأرض من حين لآخر .
وغني عن القول أنها إن لم تكن بالكامل نتيجة الأضرار البيئية التي تخلفها يد الإنسان من عبث مقصود وغير مقصود فإن لتلك اليد الأثر الأكبر فيها .. ومنها ظاهرة الاحترار القاريglobal warming الناشئة بدورها عما بات يعرف بغازات الدفيئة التي تسبب الاحتباس الحراري حيث يصبح الغلاف الجوي بفعلها أشبه بكيس بلاستيكي يغلف الأرض..وكل ذلك أو جله على الأقل تتسبب به المناشط البشرية المختلفة ومن ضمنها الصناعة ومنتجاتها المختلفة ..
ورغم تنبه القوى الكبرى لخطر تلك الظواهر إلا أن التحرك ما زال دون المستوى المطلوب وينحصر فقط في المظاهر الاحتفالية دون أن تكون هناك إجراءات عملية ملموسة وفعالة بحجم الظاهرة .. حتى أن أكبر الدول الصناعية رفضت الاشتراك في اتفاقية "كيوتو" وآثرت أو غلّبت المنافع الاقتصادية على المسألة البيئية..رغم أن الظاهرة البيئية أصبحت ذات توابع اقتصادية .. وانه ليس منصفا ما يذهب إليه بعض الليبراليين الاقتصاديين بأن من يثيرون هذه المسألة هم اناس أبديولوجيون ينطلقون من أفكار معادية للرأسمالية فيضخمون المسألة تضخيما متعمدا كما ذهب لذلك مثلا فاتسلاف كلاوس الرئيس التشيكي في كلمته في معهد كيوتو .. لكن إذا سلمنا جدلا مع أصحاب هذا الرأي أن الإنسان يمكن أن يتأثر بتحيزاته وتحمل أفكاره أيديولوجيا ما .. فهل ظواهر من مثل : تسونامي وجونوا وزلازل شبه القارة الهندية وفي الباكستان واندونيسيا وإيران.. وأعاصير أخرى ضربت أمريكا مثل إعصار كاترينا المدمر .. وفيضانات هائلة حدثت في أماكن كثيرة من العالم كفيضانات رومانيا وكلها في هذا العقد الاخير ، هل هذه كلها بدورها تنطلق من منطلقات أيديولوجية معادية للفكر الاقتصادي الليبرالي بلا حدود أم هي مؤشرات ونواقيس خطر .. نتمنى أن نتفق في هذه المسالة على رأي صواب؟
بل إن الظواهر البيئية لم تعد بدورها مجرد مشكلات تتعلق بالطبيعة ذاتها ولم تعد النظرة لها تقتصر على هذا الجانب .. إذ أن لها جوانبها الاقتصادية الخطيرة .. وقد تنبه لذلك بعض رجال الأعمال فأطلقوا المبادرات بهذا الاتجاه حتى أن رجل أعمال إنجليزي هو ريتشار برانسون خصص جائزة مجزية مقدارها 25 مليون دولار للعالم أو الباحث الذي يسهم بمقترحات وأبحاث تحد من ظاهرة الـ global warming إدراكا واعترافا بالانعكاسات الخطيرة لتلك الظواهر على الفعل الاقتصادي ذاته. وأنها لم تعدد ظواهر تهدد الأمن البيئي فقط بل تهدد الاقتصاد ذاته أيضا بخسائر فادحة ومدمرة.
وعود على بدء إلى جونو ..فالذي لفت انتباهي عدا عن شدته التي لم تألفها منطقتنا العربية حيث التوسط ليس في الموقع الجغرافي فقط بل وفي كل شيء حتى في الطبيعة وظواهرها .. إذ لم تألف منطقتنا مثل هذا العنف الطبيعي.. أقول عدا عن هذه الشدة التي لم نألفها لفت انتباهي أمر آخر هو اسم الإعصار .. متسائلا لماذا لم يكن له اسم عربي : زئير الخليج مثلا او باب المندب أو بحر العرب أو سبأ او مأرب؟ وبينما كانت المنطقة بأسرها تتحسب أعاصير من أنواع أخرى نفاجأ بإعصار مناخي تقع أضراره وتبعاته على المنشآت والناس الطيبين وفي بلد طيب نحبه ..
هذه نواقيس خطر تدقها الأرض لينتبه الإنسان لحجم وتبعات ذلك العبث الذي يمارسه وآثاره المدمرة على الكوكب ومستقبل الحياة عليه..
وإن كانت هذه هي آثار العبث والاستبداد البشري بالطبيعة فهناك عبث واستبداد من نوع آخر يخشى هو الآخر أن تكون له أعاصيره المدمرة لأنه يسبب بدوره احتباسا من نوع آخر في النفوس والطبيعة البشرية لا تلبث طاقته المختزنة أن تنفلت في أي وقت لكن بصور لا ندري كيف تكون ولا كيف تكون تبعاتها.
وإنه من الذكاء والحصافة بمكان أن يأخذ الإنسان هذه الأحداث والظواهر ويحملها على محمل الجد ويدرك جيدا أن الأرض بالفعل تحذره وبشدة، فقد احتملت الكثير ولربما لم يعد بمقدورها احتمال المزيد.وأن يتصرف تجاه الأرض كنظام حيوي له حيله ووسائله الكامنة فيه للدفاع عن نفسه في نهاية المطاف إذا لم يتحمل الإنسان نفسه هذه المسؤولية ويبادر لفعل شيء .

الاحد, 10 يونيو, 2007
خذ القضاء مثلا كاحد أجزاء تلك الآلة..
ماذا حين يكون القاضي في النهاية موظفا عند الفاسدين ؟ أي حينما يكون مرؤوسا لأشخاص بعضهم هم أطراف في القضايا المرفوعة وحماة الفساد؟
هل سيصدر أحكاما على رؤسائه أم هو ساعتها سينظر للترقية والعلاوة والمستقبل المهني؟
نحن أمام قضية تشبه الأغنية التي كنا نغنيها في المدارس الابتدائية ولا أذكر مطلعها لكن المقطع المهم فيها هو :
والبيضة عند الجاجة
والجاجة ودها قمحة
والقمحة في الطاحونة
والطاحونة مسكرة
فيها مية(ماء) معكرة
إذاً ( المية المعكّرة ) -الماء العكر - هي السبب .. يجب أن تصفو (المية) حتى تشتغل الطاحونة حتى نحصل للجاجة على قمحة وحتى نحصل على بيضة العدل والحرية.
لأنه إذا قلنا طيب الحل أو أحد الحلول يكمن في العدالة والعدالة يضمنها استقلال القضاء مثلا ..
طيب يا الله أصدروا فرمان بأن القاضي ليس عليه رقيب إلا ضميره وخوفه من الله ..
فمن يمنع جهاز الاستبداد الذي لا رادع له ولا رقيب عليه أن يدخل بطرقه الحقيرة فبفسد ويمارس الضغوط ؟
ثم من يضمن لنا وجود مستوى خلقي يجعل القاضي المستقل لا يجير استقلاله للأقوياء بدورهم : قوة مال أو قوة سلطة أو ...الخ ..
وهل سينحاز للضعيف الذي ربما لا حيلة له أن يقول حتى شكراً لأن نفَسَه مقطوع وصوته ضائع منه ..أم أنه سيجدها فرصة وكنز في يديه ..
قاض مستقل في نسق استبدادي تربى الكل فيه على أن أسهل شيء وأقربه للنجاة هو الاجتراء على الحق والحقيقة ودهسها بكل دم بارد ، هو أمر أخطر من قاض تابع للسلطة لأن الناس تربوا أن أهبط حائط للقفز فوقه وأهون شيء هو أن تجترئ على الحق والحقيقة..بينما أصعب شيء وأخطره هو أن يجترئ على ذي سلطان.
بينما في النسق الديموقراطي اسهل شيء أن تجتريء على السلطة وأصعب شيء يطيح برأسك هو أن تجترئ على الحقيقة.
النسق الاستبدادي نسق متعفن بالكامل ومعه عمل تعفنات خطيرة في أخلاق الناس كنسق متكامل يفرز منظومة قيم تخدمه وتتكامل معه ،ومثل هكذا نسق لن يخدمه إلا رجال مفترون مثله ومن لا يكون كذلك سيطيح به النسق ويلفظه فورا أو بعد حين .وأنت لا تستطيع أن تكون صادقا مثلا وكل من حولك يكذبون لأن وفاءك بالوعد مثلا يعتمد على وفاء الآخرين بوعودهم لك وهكذا..وكذبة كبرى أن تعطي استقلال لأية سلطة في نسق مستبد أصلا ..
وللحديث صلة..

الخميس, 07 يونيو, 2007
"جونو" هو الإعصار العنيف الذي ضرب السواحل الشرقية لعمان والخليج العربي ، وتراوحت سرعة الرياح وفقا لتقديرات الأرصاد بين 130 -270 كم/ساعة مع أمطار غزيرة الهطل ، وهو إعصار لم يمر على المنطقة مثله او بعنفه .. وقد اغلقت بعض المطارات وارتفع الموج حد فاضت المياه وطفحت في بعض المناطق إلى الشوارع والأحياء عدا عن مياه الأمطار الغزيرة!
تُرى هل للتغيرات المناخية والتاثيرات البيئية أثرها في هذه الشدة ؟
الذي أثار انتباهي شخصيا إضافة للإعصار ذاته هو اسم الإعصار "جونو" إذ لم أفهم لماذا لم يكن اسمه بلقيس او سبأ أو صلالة أو باب المندب أو بحر العرب ؟ أليس إعصارا عربيا وفي منطقة عربية؟
على كل الأحوال تمنياتنا بالسلامة للأهل والأخوة في عُمان والخليج العربي .

الجمعة, 01 يونيو, 2007
<<الصفحة الرئيسية