وليس من جهة العدل والرحمة :
*فأن يكون لك الحق أن تحكمني وتحكم باسمي رضيت أم لم أرضَ بدعوى الوراثة أو النسب أو العصبية أو ما شابهها من مبررات .. حقا دائما ومتوارثا لك ولعقِبك لا تعقيب عليه ولا جدال فيه..
ودون أن يكون ليَ الحق ان أرفض هذا أو اعترض عليه أو أبدي رأيي فيه فأقبل بتخويلك هذا الحق بالطرق المرعية أو أرفضه..حتى مجرد مستوى ذلك الرفض الذي لا يتعدى حدود الاعتقاد والرأي ولا يتجاوزهما إلى القوة والعنف مثلا.
ودون أن يكون لي الحق أن أراقبك بل أنت من تراقبني؟!
أو أسألك بل أنت صاحب الحق أن تسألني؟!
أو أحاسبك بل أنت مالك هذا الحق أن تحاسبني !!!
أو أعرف ما تملك وما تصرف ومن أين ملكته وكيف صرفتهُ؟!
*وأن يكون لك الحق أن تجبي مني الضرائب ما كان منها بقانون وما كان منها بالفهلوة والشطارة وغيرها من الطرق .. ودون أن يكون لي عليك حق معلوم ومقرر حتى ولو قرش واحد؟ فأنت حر في مالك وأرصدتك تسيلها في البلد أو تجمدها في بنوك الدنيا مع أنها حصيلة ما استنزفت من قوت الشعب ..وإذا حصل وقدمت أُذنا فبعد أن تكون قد حصّلتَ الجمل ذاته وصار في خزائنك فتقدم أذنه وتحتفظ بباقيه لنفسك .. ومع ذلك يحسب كجود وتفضل منك لا حقا مفروضا عليك .. مع أنك عبد ضعيف هزيل لا تملك شيئا وكل ما ملكته هو من دماء الناس ومع ذلك تسمي ما تعيده لهم من مالهم تكرما وتفضلا ..الخ؟
وبالمختصر أن تكون مطلق التصرف في ذلك الوطن ارضه وناسه وخيراته ومقدراته..من غير شرعة أو سلطان من الله أنزل عليك أو على آبائك الأولين قضى لك بهذا أو خولك إياه إلا شرعة القوة والاستبداد ؟
فإذا عدلت أو وهبت فمنة وكرم تشكر عليهما !
وإذا ظلمت أو حرمت فحق لك لا تلام ولا تحاسب إن استخدمته؟!!
*أن يكون لك عليّ حق الحكم وتحديد مسار حياتي وتحديد هامش حركتي وحريتي وتوصيفي في عداد الصالحين أو الطالحين .. وترسيم وتصميم مصيري ومصير وطني حقا تعسفيا مقررا لم يحصل لك باتفاق على اسس مرعية كما يحصل لدى الأمم الحية المتحضرة..بانتخاب محدد ومقيد وبمدة وقيود..
ثم لا يكون لي الحق أن أسأل مجرد سؤال لم كل هذا أو بعض هذا حتى؟!
*أن تكون مُخولا أن تبتز عمري ورزقي وتقرر لي ونيابة عني كل شيء .. ولا أكون مخولا حتى بحق انتقادك أو الاعتراض على تصرف من تصرفاتك..
*أن تكون مخولا بمقاضاتي وإضعافي وسجني سجنا سافرا معلنا بين الجدران أو سجنا خفيا مقنعا بالتهميش والإقصاء والنسيان .. وإيذائي بكل وسيلة وقوة ظاهرة وخفية تملكها وحدك وتحتكرها أنت وأدواتك ما خولها لك شرع ولا قانون لا أرضي ولا سماوي ..
ولا أكون مخولا أو مسموحا لي حتى أن أتطرق لسياساتك أو أناقشها فضلا عن أن أعترض عليها أو أنتقدها؟!!
*أن تكون كل قوى الوطن تنظيمات تابعة لك مأتمرة بأمرك وكأنها حزب أنت رئيسه ومالكه ومحييه ومميته .. فأنت مالك الجيش والشرطة والزعامات والقيادات والنيابات والنقابات والقضاة والحكومات وكل أجهزتها أنت من تعينهها وتقيلها وتأمرها وتنهاها بحيث أن الجميع بمن فيهم رئيسها في نهاية أمرهم مجرد موظفين عندك لا يعصونك لا أقول ما تأمرهم بل حتى ما ترغب به قبل أن تعبر عنه ! ويفعلون ما يأمرون .. وكأنهم الملائكة عند الله تعالى الله وعليهم أن يكونوا أذكياء بما يكفي ليستشفوا حتى رغباتك من غير أن يضطروك أن تعبر عنها فتتحمل جزءا من التبعة الأدبية عن عواقبها مثلا وإلا فلن ينالوا الرضى والاستحسان. .بينما ليس للشعب وقواه الا مجرد الثرثرة .. بل وأحيانا حتى هذه الثرثرة يكونوا مؤاخذين عليها لأن لها حدود وعليها قيود .. ومن حدودها وقيودها أن لا تتطرق لهذا الأمر أو تنتقده؟
لكل هذا وسواه فلا نكون ظالمين أو معتدين إذا وصفنا الاستبداد بأنه شكل من أشكال التأله ؛
لأن الإله وحده هو الذي لا يُسأل عما يفعل أو يعمل ..وهو وحده الذي يُحمد على الخير والشر ولا يُلام أو يعاتب أو يُعترض على حكمه.. لأن عدله ورحمته مطلقة.. ولأنه صاحب المن على العالمين ..وهو واهب الحياة والرزق فلايلام إن سلبهما .. ومع ذلك فهو عادل حكيم لا يسلبهما إلا لحكمة جليلة هو يعلمها..لذا لا يلام .
أما المستبد فهو ممنون عليه حتى من قبل الدواب فضلا عن البشر..وهو كائن رُمي متطفل ..ومع ذلك يسلك سلوك الآلهة ويريد أن يُعامل كإله : فلا يُسأل ولا يُحاسَب ولا يعقب أحد على قول له أو فعل مع أن كل رزقه وحياته وقوته هي على الناس ومن الناس..انه مثل العلق او القراد الذي يلتصق بالجسم الحي ويتغذى على امتصاص دمه.. مع ذلك يريد من ذلك الجسم أن يشكره ويسجد له ولا يعترض على كونه يفعل ذلك!!!!!!!!
فالمستبد في ذلك متأله ينازع الله صفاته التي استحقها سبحانه وتعالى بجوده وعدله ورحمته وَمَنِّه .. لكن المستبد يريد تلك الصفات بقهره واستبداده .. فهو لا يتشبه بالله -وحاشا لله أن يشبهه أحد - بعدله ورحمته وتواضعه .. بل يتشبه به بجبروته وسلطانه وتكبره وهي صفات لله وحده استحقها بقدرته وهي في الله ولهُ تعالى ثناء ومجد .. بينما لمن نازعه إياها معرة وإثم ..












