حينما يكون اللاعب الأخطر هو الغائب الأكبر!
لقد كان لافتا للنظر في قمة العرب الأخيرة ذلك الغياب شبه التام لأهم وأخطر القضايا الملحة والتي لو كُرست لها عدة قمم لما كان كثيرا عليها.. ألقضية التي لا نبالغ لو قلنا بأنها الإكسير السحري التي لو حُـلت وأنجزت ستـَحُـل بدورها معظم قضايانا العالقة الأخرى ، فاللاعب الأخطر كان هو الغائب الأكبر؟! إنه حديث الإصلاح والديموقراطية والتغيير.. حيث كان تناول القمة لهذا الموضوع تناولا خجولا عابرا بل وهامشيا ربما.. هذا إذا كان قد تـُـنـُوِلَ أصلا.. الأمر الذي يعكس ويعبر بصدق عن مدى اهتمام النظام العربي الرسمي بهذه المسألة أصلا!.
شخصيا ربما كان لي عزاء ما في حديث الرئيس السوداني عن إصلاح وتطوير التعليم والبحث العلمي في العالم العربي .. فقد كانت التفاتة مهمة لقضية مهمة .. فهو -أي التعليم والبحث العلمي- كمثال من الميادين الرئيسة والحساسة جدا .. ومن الحلقات التي يعتمد عليها وعلى إصلاحها وتطويرها حل وحلحلة الكثير من المشاكل الأخرى الآن وفي المستقبل.
أعتقد أنه وقد باتت القمم العربية دورية وتعقد كل عام فإنه من المفيد لو أن كل قمة تتناول موضوعا محددا فتركز عليه وتنجز فيه شيئا ذا بال ، فهو خير من تلك البيانات والتوصيات الجمّة التي لا يطبق منها إلا النزر اليسير ..إذ ماذا لو وُضع على طاولة البحث في كل دورة مسألة محددة بعينها ؟ ففي دورة ما التعاون الاقتصادي مثلا وفي دورة أخرى إصلاح التعليم وفي ثالثة الديموقراطية وهكذا؟
هناك الكثير من المشاكل التي ينطبق عليها فكرة دوائر الاعتماد المتبادل بحيث يكون من الخطأ القيام بمباشرة المشكلة ذاتها والبدء بها حيث هي ، إذ في الكثير من الحالات يكون حل المشكلة ليس بالبدء من عندها هي بل في مكان آخر وبحل وحلحلة أمور أخرى غيرها فتنحل المشكلة لوحدها ودون الاقتراب منها حتى .. والقادة العرب* حينما يذهبون مياشرة للمشاكل العالقة ذاتها ويتجاوزون تلك الحلقات الأخرى التي أنتجت تلك المشاكل والتي بحلها تحل معظم تلك المسائل تلقائيا .إنما يلجأون للطريقة الأصعب والأقل جدوى في حل المشكلات فعلا .. والتي كثيرا ما تتسبب هي ذاتها بمراكمة وخلق المشاكل بدلا من أن تساهم بحلّها .
إن الديموقراطية والإصلاح - والسياسي منه بالذات - هي الحلقة التي بحلها ومعالجتها ستنحل تلقائيا الكثير من مشاكلنا ومصائبنا إن لم تكن كلها ، وبدون ذلك فأعتقد أننا مثل من يصر على أن يصعد الجبل من قمته !! أو ربما بأن يجعل الجبل ذاته هو الذي يصعد إليه وتصبح قمته عند قاعدته؟!
---------------------------------------------------
*فقط أحب أن أضيف إضافة مهمة هي استدراك على الموضوع وهي أنه ربما يستغرب البعض حديثي هذا في جزئية محددة منه بالذات مُتسائلا :كيف أنني أعلن خيبة أملي من عدم تطرق النظام العربي ذاته لنقد ذاته.. ووجه الاستغراب هنا لمن سيستغرب ربما هو أنني -من وجهة نظره - أريد من سدنة النظام العربي غير الديموقراطي أنفسهم أن يتحدثوا عن التغيير والديموقراطية وكأنني كنت أتوقع أصلا أن ينتقد النظام العربي نفسه بنفسه.
لكن لم لا ؟ لم لا ينقلب النظام العربي على ذاته من ذاته أو بتعبير أخف لم لا يصلح نفسه بنفسه بدلا من أن ينتظر مقتضيات وسيرورة الزمن وطبيعة الأشياء ذاتها لتفعل ذلك..لقد شهدنا كمثال قبل فترة أحد الرؤساء العرب يعلن بأنه لن يترشح للرئاسة من جديد وهو أحد الأمثلة التي يعلق فيها الجرس رأس النظام ذاته .وفي دولة عربية أخرى الغي نظام الاستفتاء على الرئيس الأوحد وحلت محله الانتخابات المباشرة.. صحيح أن الرئيس العربي حتى لو فتح باب الترشيح والانتخاب فإنه ضامن للفوز ولو عشرين مرة حيث يستغل بقاءه الطويل في السلطة وماكنة الإعلام الهادرة التي ظلت طوال الوقت تغني له وحده وكل آلات السلطة الأخرى التي لم تعرف غيره ولا تدين لسواه- يستغل كل ذلك لصالح فوزه مرات وليس مرة واحدة أخرى، وهو ضامن للفوز حتى لو ترشح مقابله الإمام علي كرم الله وجهه..لكن حتى هذه الخطوة بإلغاء نظام الاستفتاء سيء الصيت هي خطوة إصلاحية جيدة .. مثل هذه المبادرات هي ما توقعت أن يطرحه ويتحدث عنه هؤلاء الرؤساء الذين قدموا تلك المبادرات بغض النظر أن كانت هي مبادرات صادقة وجادة من تلقاء أنفسهم أو نتيجة ضغط شعبيى داخلي وأممي وخارجي في بعض الحالات.













