نتمنى أن تجدوا هنا ما يجدي ويفيد في صدد الإسهام بالإصلاح والتحديث في عالمنا العربي بكافة جوانبه : سواء كان هو الإصلاح السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي...الخ. لكن بالدرجة الأولى الإصلاح السياسي وأنظمة الحكم لأنه الإصلاح الأكثر تأثيرا وانعكاسا على كافة الجوانب والميادين الأخرى.
وما نحب أن ننوه ونشير إليه باهتمام هو أننا جهد أصيل نابع من ذات الثقافة والأرض ولسنا -كما قد يفهم البعض أو ينظر لهكذا أصوات - دعوة للتغريب أو لاقتلاع كل شيء من جذوره .. ننطلق من الجذور وننبت في ذات الأرض التي ندعو فيها للإصلاح لكن لسنا أصوليون أو سلفيون .. وبنفس الوقت ندعو للتحديث والإصلاح لكن لسنا تغريبيون أو علمانيون بالمطلق .. ندعو للتغيير بقوة لكن لسنا راديكاليون نتحرك لجب ونسف الثقافة القائمة بالكامل. بل نؤمن بها وننطلق منها للتغيير .وبنفس الوقت فإننا حينما ننطلق من ذات الثقافة فلسنا محافظون وماضويون نأخذها بكل ما فيها وبقضها وقضيضها .
وحينما نتحدث ، كمثال ، عن الإصلاح السياسي والديموقراطية فلا نتحدث عنها كموضة أو كصرعة باتت على كل لسان .ولا لكونها مطلب هذه الجهة أو تلك. ولا نتحدث عنها كعقيدة أو ثقافة بديلة لأي عقيدة أو ثقافة كانت أو كأداة لنقضها واستبدالها .. بل لكوننا نؤمن بها كآلية وأداة للحكم وتداول السلطة وتوزيع المكاسب بعدالة .. فهي الآلة التي ثبت أنها الأنجع بعد تجارب ممضة وطويلة نحن في غنى عن إعادة خوضها .. أو على الأقل هي أقرب الوسائل والأدوات لتوخي تلك العدالة والشفافية المنشودتين .. وبالتالي لأننا نؤمن بها كضرورة وأداة مهمة من أدوات الإصلاح الذي ننشد ..لكننا لا نتحدث عنها بمفهوم البعض كعقيدة أو دين يبادر للدعوة لها ضمن مشروع مرشح أو مقترح نقيضا أو بديلا عن أي ثقافة أو دين أو آلة لتغييره . أو كأداة يريد الاستعانة بها لأجل تلك الغاية إن وجد مثل ذلك الشخص أو الجهة أو ذلك الطرح . وهو الأمر الذي يثير مخاوف البعض الأخر ويدعوه لكي يبادر لرفضها وقتالها بضراوة باعتبارها من وجهة نظره ضد معتقداته الدينية أو منافسا لها وخطرا عليها.
نحن هنا نختلف عن الفريقين وننظر للديموقراطية كآلة وأداة محايدة للحكم وتداول السلطة وإصلاح الأنظمة السياسية بالدرجة الأولى دون أن يكون لها مساس أو تأثير سلبي بأية ديانة أو معتقد إلا ما يتعلق من ذلك بانعكاساتها الإيجابية على كل مناحي الحياة بما فيها الإنسان ذاته ومعتقداته من حيث هي بهذا الطرح – أي كآلة – قابلة للتطويع كي تكون في خدمة أي ثقافة أو معتقد وفقا لخصوصيته ودون المساس بتلك الخصوصية أو الثوابت. فالذين يبدون مخاوفهم ممن يرفضون الدعوة للديموقراطية ويقفون منها وممن يدعون إليها موقف الريبة والحذر هم في الواقع يظنونها جزءا من دعوة للتغريب والانسلاخ من الجذور .. وأن من يدعوا لها إنما يدعوا لثقافة مناقضة أو بديلة للثقافة الأم .. تسعى لتنقض وتهدم بالكامل كل مكوناتها وتشكل خطرا عليها لتحل محلها .. وهم في ذلك كما كررنا مرارا ينظرون للديموقراطية كما لو أنها عقيدة أو دين منافس.. وفي أذهانهم بالذات نموذجها الغربي ما عداه.. دون أن يلتفتوا لحقيقة مهمة هي أن النموذج الغربي ذاته هو في الحقيقة شكل مدبلج بين الديموقراطية في أفكارها الجوهرية وبين الثقافة الغربية ذاتها .. الأمر الذي يمكننا نحن أيضا بدورنا من أن نبتكر ونشتق نموذجنا الخاص الذي يكون في خدمة ثقافتنا وليس بديلا عنها .. لكنهم -أي الرافضون- يغفلون عن قصد أو دون قصد أو لعل بعضهم يجهل أصلا خاصيتها كآلة محايدة وقابليتها للتطويع والتحوير حتى في فكرتها الجوهرية ذاتها والمتعلقة بالديموقراطية السياسية ، فليس بالضرورة أن تكون استنساخا عن النموذج الغربي ، وهم إذ يصرون على استحضار نموذجها الغربي وكأنما هو شكلها الأصيل .. يعتقدون أن من طبيعتها أن عليك أن تأخذها بالكامل كما هي في ذلك النموذج ..ومن نتائج ذلك بحسب ذلك المفهوم الذي ينظر لها كعقيدة تؤخذ متكاملة هو أن الدعوة للديموقراطية تتضمن فيما تتضمن قيما وأفكارا ترفضها العقيدة والثقافة الإسلامية - فالنموذج الغربي مثلا يتضمن حرية الشواذ وهذا ترفضه الثقافة والعقيدة الإسلامية ..والجواب على هذه التخوفات سبق وقلناه وهو أن الديموقراطية آلة وليست دينا وأنه لا توجد ديموقراطية واحدة فهناك ديموقراطيات كثيرة ربما بعدد الثقافات من بينها الديموقراطية الغربية التي ليست هي مثال الديموقراطية التي ننشد .. وإنما قد يصح أنها هي مثال الديموقراطية في الثقافة الغربية ذاتها .. ذلك انه إذا كانت العقائد والأديان ذاتها هي فرق ومذاهب شتى بحيث لا يمكن الحديث عن إسلام واحد أو مسيحية أو يهودية واحدة فما بالك بفكرة بشرية هي آلية للحكم كالديموقراطية لمن ينظرون للديموقراطية كما لو أنها دين أو عقيدة .. لكن المهم هو أن هناك جوهرا أو فكرة رئيسية مشتركة في كل الديموقراطيات وتقبلها كل الثقافات هي فكرة العدالة والحرية والمسؤولة ومشاركة الشعوب في حكم ذاتها واختيار من يمارسون ذلك الحكم منهم نيابة عنها ومراقبتهم ومحاسبتهم وفقا لآليات محددة ومتفق عليها تضمن الشفافية وتداول السلطة والمحاسبة بحيث يكون فعل الحكم والسياسة هو فعل جماعي تتولاه الأمة كلها (الأمة مصدر السلطات) ثم توكل عنها من بينها من يباشره نيابة عنها ...الخ . لكنها بنفس الوقت –أي الديموقراطية- في جوانبها الأخرى يمكن تقييدها وإخضاعها لخصوصية الثقافة –أية ثقافة كانت - بحيث أنها لا تفرض على أية ثقافة ما هو مرفوض بها أصلا .. كونها كما قلنا ونكرر للأهمية هي آلة وأداة قابلة للتطويع وليست عقيدة دينية مصمتة وغير قابلة للنقاش أو الاجتهاد في أصولها.. إلا إذا أمكننا أن نتحدث عن علاقة أدوات وآلات كالسيارة أو الطائرة أو الكمبيوتر بالدين فنعتبر أنها مع أو ضد هذه الديانة أو تلك وهذا غير صحيح.
وبالتالي فإن المقصود بالدرجة الأولى هو استخدامها واستغلالها كأداة ضرورية لابد منها ثبت بعد تجارب طويلة أنها الأنجع لإصلاح أنظمة الحكم والإدارة ، أداة هي - بهذا المعنى والمفهوم - قابلة للتطويع والاستخدام في إصلاح أنظمة الحكم والإدارة مع تحييدها بالنسبة للمعتقدات الدينية أو الثقافية بل وجعلها في خدمة تلك المعتقدات دون أن تكون منافسا ولا نقيضا مهددا لها.
إن المقاومين للديموقراطية والإصلاح هم فئتان ..الأولى هي الفئة حسنة النية والتي ترى وتنظر للديموقراطية كعقيدة -كما وضحنا سابقا- وبالتالي ترى فيها خطرا وتهديدا على الثقافة الأم وبالذات الإسلام والعقيدة الإسلامية. لذا فهم يقفون موقف الريبة والحذر منها ومن الداعين إليها ولهؤلاء جاء حديثنا هذا كي نوضح لهم خطأ هذا الاعتقاد والظن.
أما الفئة الأخرى فهي التي تغذي هذا الاتجاه بسوء نية فهي تلك الفئة المستفيدة من استمرار الاستبداد والتسلط من طبقة الحكام وحواشيهم بلا وجه حق ولا شرعية .. فيغذون لذلك مثل تلك الاتجاهات المغلوطة ؛ لا حبا منهم في العقيدة أو الثقافة والقيم العربية وغيرة عليها بل لأن تغذية مثل تلك الأفكار والاتجاهات تخدمهم وتخدم بقاءهم في السلطة بالشكل الموجودين فيه أطول فترة ممكنة .
إننا نحزن بالفعل أن يبدو الإسلام مثلا وكجزء ومكون هام وكبير من مكونات الثقافة العربية – يبدو كما لو أنه عقيدة تدعم الاستبداد وتغذي المستبدين !! وهو الفهم الذي يفضي إليه ما يعتقده ويروج له هؤلاء سواء وعوا ذلك أم لم يعوه .. فحينما يقاوم الإصلاح والديموقراطية باسم الإسلام ، حتى لو كان نتيجة لفهم خاطئ له كما بينا سابقا ، فإنه سيبدو كما لو أن الإسلام دين داعم للتسلط والطغيان وهذا غير صحيح لأنه في حقيقته دين جاء أصلا ورسالته الأولى هي القضاء على الطغاة وتخليص الناس من العبودية لهم .
ثم ولأننا نجد أنه من المكابرة وتضييع الجهد والوقت تجريب ما جربه غيرنا .. فلقد قطعت البشرية أشواطا طويلة وجربت أشكالا كثيرة متعددة من أشكال الحكم والإدارة رافقها مخاضات ومعاناة طويلين حتى استقرت في النهاية على الشكل الديموقراطي الذي يمكن أن نختصره بسطر أو سطرين هو: أن كل من يحكم أو يمارس شأنا منة شؤون الناس في السلطة والحكم يجب أن يكون منتخبا من قبلهم أولا ثم أن تكون هناك آلية لمحاسبته ومراقبته ومساءلته بل وحتى إقالته إن لزم .. وأن الطغيان كل الطغيان ليس هو كما يفهم ويظن البعض بأنه سجن وتعذيب الناس ورميهم في المعتقلات .وأن من لا يفعل هذه الأعمال هو ليس بطاغية . إنما عين الطغيان هو أن يكون هناك أناس يحكمون ولديهم صلاحيات دون أن يكونوا منتخبين من قبل الشعوب التي يحكمون فيها ودون أن يكونوا خاضعين لمساءلة ومحاسبة تلك الشعوب وفقا لآلية تحددها الديموقراطية ذاتها .فكل من يستحوذ على صلاحيات ويحتكرها ويمارس الحكم دون أن يكون منتخبا من الناس ومفوضا منهم بالانتخاب المباشر أو سواه من الآليات ودون أن تكون ثمة آلية لمراقبته ومحاسبته فهو طاغية حتى لو كان فقيها أو وليا من الأولياء لا يدوس حتى على النملة .
وإن الحكمة والعقل تدعونا أن لا نبدأ من الصفر ونمر بذات المخاضات والتجارب التي مرت بها الأمم الأخرى حتى نقتنع بهذا الكلام ونرجع في النهاية إلى هذا الشكل الذي استقرت عليه الأمم المتحضرة ، حتى لا نكون مثل من رفض التصديق أن السم يقتل إلا أن يجربه بنفسه !!
وإننا حينما ننظر حولنا نجد أننا نسكن ظاهريا وفيزيائيا مع الأمم الأخرى في هذا العصر لكننا فعليا وعمليا نسبة للعالم المتحضر بل وحتى غير المتحضر- باستثنائنا - فإننا وإن كنا نسكن وإياه في عالم وعصر واحدين إلا أننا قياسا لما نحن وهم عليه فإنما نسكن عصورا غابرة جدا .. فإذا كابرنا بالمحسوس وأردنا أن نجرب مثلما جربوا ونمر بكل تلك المخاضات التي مروا بها فإننا نحتاج لعصور أخرى طويلة حتى تحدث لدينا كل تلك التحولات الضرورية .إضافة للتضحيات الهائلة التي سنضطر لتقديمها . لذا أكرر للتأكيد أنه لا ينبغي أن نكون مثل ذلك الذي لم يقتنع أن السم يقتل إلا أن يجربه بنفسه . والمعنى أن علينا أن نستفيد من تجارب الأمم الأخرى فنختصر على أنفسنا جهدا ومعاناة طويلين نحن في غنى عنهما. ونأحذ بما ثبت لدى الأمم الأخرى أنه الشكل الأنسب طبعا مع تطويعه وفقا لثقافتنا .
وإنه إذا كان النظام السياسي وشكل الحكم هو المقياس للتحضر أو التقهقر وليس مستوى المعيشة والرفاه المادي فإننا في هذا نبدو الأكثر تخلفا ورجعية من كل أمم الأرض حتى قبائل أفريقيا البدائية .. إذ أن حكم شيخ القبيلة أو الملك الوراثي ذو السلطة المطلقة الذي ليس عليه رقيب ولا حسيب لم يعد موجودا إلا عند أمة العرب !!..
في ظل كل تلك المعطيات والمعاني يأتي نشاطنا هذا كدعوة سلمية للمحاولة في الدفع باتجاه تحولات طوعية تنطلق من إدراك كل تلك المعاني وأهميتها ..وفي كونها دعوة للإيجابية وتحمل المسؤولية وحتى لا نكون مثل من رأى شخصا يحاول أن يجرب السم ولم يتدخل لإنقاذه لاسيما إن كان ذلك الشخص يهمه ..وهل هناك ما هو أكثر أهمية للإنسان وأولى بجهوده من الأمة والثقافة والهوية التي ينتسب إليها بأن تستحق منه التحرك للمساهمة بتطويرها وإصلاحها ونقلها بصورة طبيعية في وقت ما زالت فيه الفرصة متاحة بالمبادرة لإعادة بنائها وتجديدها هي ذاتها من داخلها قبل أن يأتي أوان لا يعود فيه ذلك ممكنا إلا بهدمها واقتلاعها من جذورها ؟؟
إن إعادة البناء وفقا لمعطيات ذات الثقافة والحضارة والهوية وليس الهدم والبناء من جديد هو ما ندعو إليه لذا فإن كلمة Reform الإنجليزية تحمل هذه الدلالة من حيث هي تعني إصلاح الشيء نفسه بإعادة تشكيله وتأهيله وليس باستبداله كلية وتماما.والمعنى أن دعوتنا في هذه الحالة هي مبادرة من أجل الثقافة العربية الإسلامية في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان وليس ضدها. أي بمعنى هي دعوة لتجديدها من داخلها في وقت يمكن فيه ذلك لتغدو قادرة على الحياة والاستمرار وحتى لا يأتي وقت يكون فيه حتى الإصلاح أمرا غير ممكن ويصير الهدم بالكامل هو الحل الأوحد الذي تسير إليه الأمور شئنا أم أبينا..أي بمعنى نصل إلى حد يتطلب تغييرات تطال جذور وجينات الهوية ذاتها من أساسها هو المتاح فقط..فحتى لا نصل إلى ذلك الظرف نبادر إلى هذه الدعوة في وقت ما زالت فيه الفرصة متاحة لتجديد وإصلاح تلك الهوية من داخلها.
من ملامحنا أننا منفتحون على كل النوافذ والاتجاهات وبلا حدود نفتح نافذة على كل اتجاه ونتحاور مع كل ذي رأي .. لنا نافذتنا على السلفي المحافظ كما لنا نافذتنا على الليبرالي والعلماني . على الماضي مثلما الحاضر.. على الغرب مثلما الشرق ..على العلم في أكثر أشكاله تجريدا وصرامة مثلما على الأدب والفن في أكثر صوره رومانسية وإشباعا بالعاطفة والتصاقا بالمحسوس وبالطبيعة .. وعليه قس .. إذا أوصدنا الباب لا نغلق النافذة وإذا أغلقنا النافذة فلأننا نكون قبلها قد فتحنا الباب بدلا عنها..وشعارنا في ذلك:
وهل أكرم وأصلح من الخير هدفا وكلمة تختصر سعي كل المصلحين ؟ ومن العقل إماما يرشد إلى الخير حيثما اتُبِع ، له وبه دعا الأنبياء والفلاسفة والمصلحون .
يسعدنا أن نستمع منكم ونرى مساهماتكم وآرائكم بخصوص هذا الميدان الهام والقضية الحيوية جدا لاسيما بالنسبة لنا كأمة تأخرت كثيرا في هذه المضامير .. وما زالت أمامها خطوات كثيرة وكبيرة جدا.. وأشواط ممتدة وطويلة للحاق بالعالم المتحضر الذي قطع فيها أشواطا كبرى.
تحياتنا.
----------------------------------------------------












