مساءكم كرامة وحرية ..
في أواخر 2002 كان المشهد كما يلي ..
- أجواء 11 سبتمبر ما زالت تخيم بغيومها الداكنة في المنطقة والعالم ..
- حرب إعلامية سيكولوجية طاحنة وموجهة تقودها أمريكا وحلفاؤها وماكنتهم الإعلامية وتمهد لعملية عسكرية كبرى لغزو العراق
- حديث على الهامش عن نية أمريكية لدمقرطة المنطقة ربما يساق لتسويق العملية العسكرية والتخفيف من وطئها ؟ ومن ضمن الرؤى والآليات التي طرحت وقتها كانت نظرية الفوضى الخلاقة وحجارة الدومينو.. الخ مع الإعلان عن رصد أموال لدعم أية أفكار في هذا الاتجاه .. في ذلك الأوان لم يكن اختراع الفيس بوك معروفا وكان النت غير شائع كثيرا ومقتصرا على فئة الشباب لأغراض التسلية والدردشة .. في ذلك الوقت كنت مستخدما نهما جدا للنت حيث استعضت به عن الكتابة في الصحف الورقية كالرأي وصوت الشعب -(توقفت عن الصدور) لسهولة وسرعة وسعة الانتشار في النت بالنسبة لتلك الصحف .. ويومها لم تكن ولا صحيفة الكترونية أردنية قد أنشئت بعد (أنشئت أول صحيفة وهي عمون في منتصف 2006 تقريبا )..
وهكذا فقد انتحيت لي ركنا في منتديات الجزيرة نت في حلقات النقاش وكذلك في ساحة الحوار في إسلام اون لاين (توقف فيما بعد ) وبعد ذلك بعدة سنوات 2005 في منتديات الأردن للإعلام (اغلقت ايضا فيما بعد).. وقد انصبت معظم الأطروحات والنقاشات التي أسهمت بها في تلك المنتديات على موضوعة الإصلاح والدمقرطة ومدى إمكانية انتقال دول وشعوب عالمنا العربي من أشكال الحكم القائمة فيه إلى ذلك الشكل الحر من دون جلبة وخسائر وثورات كما هو حاصل اليوم ..
ما يعني أن هناك أصواتا دعت ونادت مبكرا لاستباق الأحداث والتقدم نحو الديمقراطية ودفع عجلة الإصلاح قبل أن يحصل ما حصل ويحصل اليوم في الشارع العربي من ثورات بعضها دام ومؤلم .. لوان ثمة من صناع القرار من يأبه أو يهتم أو يلتفت لرأي أو نبوءة.
بعد ذلك وفي 2006 أنشأتُ مدونة كان اسمها وعنوانها هو
جياد الإصلاح في العالم العربي : http://blacksteed.jeeran.com/reform/
(ينوي الموقع المستضيف هو الآخر إلغاء خدمة التدوين وتحويل الموقع الى موقع سياحة ومدن وتسالي ) وكتبت بها تحت اسم رمزي هو "جياد " .. وكان أول إدراج بها يتحدث بوضوح كما لو كان مكتوبا الساعة ومن وحي ما يبجري في الشارع العربي اليوم ويحث على استباق الوقت والسير نحو الإصلاح قبل أن ينفجر الموقف في البلدان العربية التي تسودها نظم شمولية بطركية .. وبلغ مجموع إدراجاتها ما يربو على الماءتي مقالة ومادة كلها انصبت حول ذات الموضوع .
كتبت أثناءها عشرات المقالات في مواقع أخرى منها عمون وآخر خبر والحوار المتمدن ودنيا الرأي وغيرها مما لا أذكر الآن وكلها انصبت على ذات الموضوع نقدا وتحليلا واقتراحا للحلول و....الخ .
لا بل ومنذ ذلك التاريخ فمعظم ما كتبت قد انصب حول نفس القضية لكنني للان ورغم كل ذلك الانشغال بالموضوع مما يفترض أن يجعلني خبيرا ، إلا أنني لم افهم حتى الساعة لماذا تمتنع وتتأبى الأنظمة العربية حد الانتحار على موضوع الدمقرطة والإصلاح إلا إذا أرغمت على ذلك عنوة أو أطيح بها واستبدلت .
وإذا أتيح لي سأعيد نشر بعض تلك الكتابات والنقاشات التي تبدو كما لو أنها كتبت الساعة ومن وحي ما يجري من حراك وهدير في الشارع العربي اليوم .
رحلت أمريكا عن العراق بعد أن جنت الخيبة والفشل حيث تمخضت حملتها عن تولي حزب الدعوة الموالي لإيران في حين أتت للمنطقة لإكمال ما لم يستطع النظام العراقي فعله وهو القضاء على الثورة الإيرانية والنظام الإيراني وهو ما فشلت به فشلا ذريعا .. حيث قوت إيران في حين أرادت أن تضعفها .
أما مزاعمها عن نشر الديمقراطية فما زالت محل شك سيما مع موالاتها ودعمها وتعاطيها مع أنظمة فاسدة على رأسها رؤساء وملوك فاسدون كان أكثرهم ادعاء لكونه يمثل قيم اللبرالية والرأسمالية والصداقة لأمريكا هم أكثرهم فشلا وفسادا وتكريها للناس بتلك القيم والمقولات من حسني مبارك إلى زين العابدين بن علي إلى غيرهم .. فقد كانوا رسلا فاشلين لللبرلة والدمقرطة الأمريكية المزعومة .. وأصدقاء لأمريكا صدق فيهم القول الشهير : اللهم اكفني شر أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم ، لذا فقد سارعت ورفعت يدها عنهم عندما ثارت شعوبهم عليهم .
ومع تنامي شعور الشارع العربي بالإحباط وخيبة الأمل : سواء من أنظمته ذاتها أو ممن يدعون ويتظاهرون بالتباكي على حاله وهم يوالون ولاته فقد تولى بنفسه زمام المبادرة واخذ على عاتقه قضية الانتقال بأوطانهِ إلى ساحات الحرية والدمقرطة والإصلاح حتى شهدنا إلى الآن تغيير وسقوط ثلاثة أنظمة نخرها الفساد والاستبداد على أيدي شعوبها والحبل على الجرار .
ومرة أخرى ..مساؤكم حرية وكرامة ..
لكَم أنتم رائعون أيها المصريون وأنتم ترفضون الوصاية على عقولكم ووطنكم وتكتبون
المستقبل للشعوب وشمس الطغاة إلى غروب.
أعتذر أولا عن الخوض في شؤونكم الخاصة، وسامحوني إن كنت دسست أنفي فيما لا ينبغي التقحم فيه. لكني أحسست أن واجب النصح أولا، والوفاء ثانيا لما أوليتمونا إياه من مساندة أيام قراع الفصل العنصري يحتمان علي رد الجميل وإن بإبداء رأي محّصته التجارب وعجمتْه الأيامُ وأنضجته السجون.
أحبتي ثوار العرب.
لا زلت أذكر ذلك اليوم بوضوح. كان يوما مشمسا من أيام كيب تاون. خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه عشرة آلاف عام. خرجت إلى الدنيا بعد وُورِيتُ عنها سبعا وعشرين حِجةً لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد
ورغم أن اللحظة أمام سجن سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو:
كيف سنتعامل معي إرث الظلم لنقيم مكانه عدلا؟
أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم. لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير
وهو سؤال قد تحُدّد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم.
إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم. فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابي. أو على لغة أحد مفكريكم – حسن الترابي- فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل
أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تشي بأن معظم الوقت هناك مهدر في سب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفي والإقصاء، كما يبدو لي أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى استثناء وتبكيت كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة.
ذاك أمر خاطئ في نظري.
أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة وعلاقات البلد مع الخارج. فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن يكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمينة وغياب التوازن. أنتم في غنى عن ذلك، أحبتي.
إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التي قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم في غنى عنه الآن
عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائيا ثم إن لهم الحق في العبير عن أنفسهم وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة.
أعلم أن مما يزعجكم أن تروا ذات الوجوه التي كانت تنافق للنظام السابق تتحدث اليوم ممجدة الثورة، لكن الأسلم أن لا تواجهوهم بالتبكيت إذا مجدوا الثورة، بل شجعوهم على ذلك حتى تحيدوهم وثقوا أن المجتمع في النهاية لن ينتخب إلا من ساهم في ميلاد حريته
إن النظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضي المرير.
أذكر جيدا أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهني هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكنني وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد. لذلك شكلت “لجنة الحقيقة والمصالحة” التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر.
إنها سياسة مرة لكنها ناجعة
أرى أنكم بهذه الطريقة– وأنتم أدرى في النهاية- سترسلون رسائل اطمئنان إلى المجتمع الملتف حول الديكتاتوريات الأخرى أن لا خوف على مستقبلهم في ظل الديمقراطية والثورة، مما قد يجعل الكثير من المنتفعين يميلون إلى التغيير، كما قد تحجمون خوف وهلع الدكتاتوريات من طبيعة وحجم ما ينتظرها.
تخيلوا أننا في جنوب إفريقيا ركزنا –كما تمنى الكثيرون- على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم؟ لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب إفريقيا واحدة من أروع القصص النجاح الإنساني اليوم.
أتمنى أن تستحضروا قولة نبيكم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”
نلسون روهلالا ماندلا
هوانتون –جوهانزبيرغ
....................................................................
كُتبت المقالة قبل أن تظهر مقاطع اليوتيوب التي توضح ملابسات وظروف نهاية القذافي ، لذا تظهر في بدايتها تساؤلات أجابت عليها فيما بعد تلك المشاهد.. ولكنني أبقيت مقدمة المقالة كما هي وكما أوحتها الوهلة الأولى للحدث في حين أضفت لها ما استدعته تلك المشاهد المنشورة من تعديلات فيما بعد ..
إن لم يكن القذافي قد انتحر أو فتك بنفسه حينما تأكد له الاندحار النهائي لفلول رجاله وبالتالي لعهده كله .. أو ربما حين تأكد له أن القبض عليه وأسره بات في حكم المؤكد فاثر أن ينهي حياته لتفويت الفرصة على خصومه لإذلاله*- أقول إن لم يكن قد انتحر بعد أن اندحر فمارس القتل هذه المرة على نفسه..وإلا فان قتله وعرض جثته بهذه الطريقة البشعة هو أمر غير لائق مع إدراكنا مسبقا لكل المبررات والذرائع التي قد يحتج بها البعض بأنه طغى وتجبر وقتل واحتكر السلطة ومارس الإقصاء واضطهد الخصوم السياسيين و.....الخ. وذلك كي يكون بإمكاننا أن نتحدث عن قيم إصلاحية راقية وحقيقة ومختلفة تقنع الناس أن الإصلاحيين مختلفون تماما عن الأنظمة التي ثاروا عيها ورفضوا تجبرها وتسلطها وطغيانها إلى ما هنالك من نعوت .. فالمشهد الذي ظهر لم يقنعنا بوجود فيم ثورية راقية تمنحنا ميزة المقارنة والاقتناع أن ثمة قيم أرقى مما مارسه الطغاة ..
قتل القذاقي حرمه وحرمنا من حق أن ندينه في محاكمة عادلة كانت بمثابة فرصة ثمينة للإصلاحيين كي يبدءوا عهدهم بأساليب راقيه تمتثل لاشتراطات الإصلاح والحكم الرشيد حتى مع أعدائهم بل ألد أعدائهم حتى ، كما حرمنا وحرم العدالة من محاكمة تظهر الكثير من المعلومات في الكثير من القضايا مثل قضية حقن الأطفال الليبيين بفيروس الإيدز ثم تبرئة المتهمين بالعملية وتقييد الجريمة ضد مجهول.. ومثل لماذا دعم حركة الانفصال في جنوب السودان وهو من يدعي القومية والناصرية ، وكيف أن ثوريا انقلب على الملكية بصفتها رجعية عاد ليلقب نفسه بـ ملك الملوك ؟ ! ولنعرف أكثر من خلال الحوار والمحاكمة كيف تدار ممالك وجمهوريات المونولوج أو الصوت الواحد في حوار النظام مع ذاته لا غير.
قد يعترض البعض بقولهم " أن القاتل يقتل حتى ولو كان القتل قد جرى لدوافع عادية وليست سياسية ، ولو لم يكن قتلا مقترنا بالقمع والإذلال لشعب ولجماعات بأسرها .. والقذافي مارس هذه الفعال ".. ويكفي إجراما الاستئثار والمكوث في السلطة واحتكارها لأكثر من أربعين عاما بلا منازع ولا شريك ولا دستور ولا شريعة غير ما يقرره الزعيم ، سلطة لا يدري احد كيف تمارس ولا يطلع احد أو يتاح لأحد أن يعترض على نتائجها فضلا عن مقدماتها ، ويكفي فقط جريمة حقن الأطفال الليبيين بالايدز ثم العفو عن المتهمين وتبرئتهم دون أن نصل إلى أية نتيجة بخصوص تلك القضية ..أقول يكفي هذا فقط لإدانة أية سلطة تمارَس بغياب الشهود وتغييب الشركاء مما يغريها بفظائع اشد وأعتى من ذلك.
حسنا ..هذا صحيح لكن هل يكفي كل ذلك كمبرر لكي يمارس الثوار بحق القذافي نفس الممارسة التي أنكروها منه وثاروا عليه لأجلها بأن يعمدوا لقتله دون محاكمة وعرض جثته بهذا الشكل؟
هل يجوز للمظلوم إذا تمكن من ظالمه أن يعاقبه بنفس الممارسة وبأن يظلمه ويحكم عليه بنفسه دون قاض ولا شهود أم أن الحق في أن يقتص منه بأسلوب يثبت به انه يختلف عنه وانه كان على حق حين ثار عليه وأنه أتاح له فرصة أن يحصل على جزاء عادل بالفعل .
إن من أهم أهداف الحراك الإصلاحي في العالم العربي ومحركاته هو تحقيق قيم ومعاني الحكم الديموقراطي الحر والرشيد والذي من أهم مقوماته العدالة والشفافية في ممارسة السلطة ليكون حكما راقيا ورحيما ومشرفا ، لكنّ هذه المعاني قد غابت عن ملابسات الحكم بقتل القذافي وبالذات الشفافية ، فلم نعرف هل قتل في تبادل للنار بين الفريقين أم اسر ثم قتل أم جرح ثم أجهز عليه أم انتحر .
صحيح أن الأنظمة المستبدة - والأنظمة العربية كلها كذلك - هي أنظمة استفزازية مصابة بهوس وجنون السلطة إلى حد تشحن خصومها بطاقة من القهر والغل كافية لتعمي الأبصار والبصائر .. ولا تترك أحدا إلا وتثير معها له ثأرا مرا ينتظر سداده .. وصحيح أن الزعامات المستبدة زعامات مقززة تمارس الكذب والتضليل المثير للحقد وتوظف السلطة التي تستبد بها اسوأ توظيف يثير أبشع المشاعر ..
لكن ورغم كل ذلك فالإصلاحيون مدعوون لأن يحدثوا الفرق ويمنحوا للمحايد فرصة المقارنة والشعور بأنهم مختلفون فعلا .
نقول هذا مع إيماننا الراسخ الأكيد بحق الشعب الليبي وكل الشعوب التي ربض على صدرها ووعيها أنظمة بطركية مستبدة في مناهضة تلك الأنظمة والسعي لإصلاحها أو حتى تغييرها إذا استعصت على الإصلاح .
...................................................................................
* لا ادري لمَ لمْ يفعل القذافي هذا سيما أن من أسروه أكدوا وجود سلاح شخصي معه ما يعني إمكانية أن يدافع عن نفسه حتى الرمق الأخير فيموت بطريقة أكرم .. عدا عن انه بذلك يفوت الفرصة عليهم أن ينالوا منه حيا بتلك الطريقة ، وقد تكرر نفس الموقف مع رئيس عربي آخر مؤثرا البقاء حيا حتى الرمق الأخير ولو أسيرا في أيدي الأعداء.. ترى ما الذي كانوا يفكرون به أو يعولون عليه وجعلهم يؤثرون أن يسلموا أنفسهم لأعدائهم بدلا من تفويت الفرصة عليهم .
يجيء بنكهة الثورة والوعي العميق والحرية والحراك ورفع الراس عاليا وكسر هيبة المستبدين والفاسدين وتحطيم كل خطوطهم وبشتى ألوانها سيما الحمر منها والتي اختلقوها فزاعات وهمية كفسادهم لإرهاب الشعوب الصابرة كي لا تشير لذلك الفساد والاستبداد .. وكي لا تطالب بحقها في سيادتها على قرارها ومقدارات أوطانها
يجيء والشعب العربي يهدر بنداء الحرية والكرامة والعدالة مثل جياد عربية حرة أصيلة لم تروضها ايدي السائسين ولم تسمها اكف النخاسين ولم تعلف في حضائر الذل والاستخذاء.
يجيء والأمة تعلن بأعلى الصوت أن لم نعد صِبية بل ولم نكن في يوم ما .. ولا يلزمنا أوصياء على وعينا وقرارنا وإرادتنا .. لقد شببنا عن الطوق فيا أيها الأوصياء الذين لم نوصهم ولم يوصهم علينا غير جبروتهم وتسلطهم أعيدوا لنا الوصية التي لم تراعوا فيها حتى حق الوصاية لمن أوصي فضلا عمن استوصى نفسه بنفسه ولم يوصه احد ... أعيدوا لنا الوصية .. أعيدوا لنا الوطن .. أعيدوا لنا القرار .. أعيدوا لنا السلطة .. أعيدوا لنا الإرادة .. أعيدوا لنا ذواتنا التي غيبتموها رغما عنا وإلا انتزعناها منكم بنفس الطريقة التي اختطفتموها منا حين غيبتمونا ونصبتم أنفسكم علينا أوصياء.
عاملتمونا كأطفال رضع لا يدركون شيئا فتعريتم أمام أعيننا وكشفتم سواتكم لنا وضاجعتم الفساد ومارستم كل الموبقات أمام أعيننا وقامرتم بمصيرنا ومقدراتنا وحرّمتم علينا حتى أن نقول لكم اتقوا الله فينا .. بل واعتبرتم ذلك تطاولا على ذواتكم غير العلية ولا الكريمة بما اقترفتم بحقنا ..فأي بشر انتم ومن أية طينة جبلتم؟
نعم يجيء العيد بأحوال أخرى والشعب العربي يصهل في براري الحرية بالنداء العبقري الملهم : الشعب يريد .....!
ولكي يعلن به ومن خلاله ويكرس مفهوما جديدا مفاده إن الإرادة إرادة الشعب والقرار قراره والسلطة سلطته والمقدرات مقدراته والسيادة سيادته لا سواه.
نداء عبقري مُلهَم مُلهِم لن يهدأ ولن يكل حتى تتحقق أشواق الأمة بالحرية والانعتاق من الاحتلال المقنع المتمثل في احتلال الإرادة والقرار من قبل المستبد البلدي المتزيي بزي نظام وطني مزيف على رأسه فرد يحتكر كل شيء ليرهنه ويجيره بدوره لمن لا يودون لهذه الأمة نهوضا ولا كرامة .. ولكي يشتري منهم بقاءه مستبدا محتكرا لكل شيء ، صفقة أو معادلة أشبه " بالقوادة " - عذرا للتعبير - الشعب فيها مثل رقيق يباع ويشترى دون أن يكون له أي رأي ولا حتى علم بما يجري عليه وبه صفقة غبن الخاسر الأكبر فيها هو صاحب الشأن وهو الشعب المغيب.. صفقة ومعادلة مهينة لا يمكن لأي شعب حر أن يرضى بها مهما كلفه من تضحيات..
فكل عام وانتم في ثورة وفي نهضة وفي حراك حر ضد كل المستبدين والفاسدين حتى تتحقق أشواقكم في الحرية والكرامة والقرار الحر..وتكون الإرادة إرادتكم والسيادة سيادتكم والسلطة سلطتكم .
عيد بأحسن حال عد لنا عيد بنهضة مثلما تزهو الأناشيد
الشعب قرر أن تعلو إرادته في كل أمر فلا مولى ولا سيد

ويبتكرون ويبدعون الأفكار الحية والحرة التي تسهم في خلق مناخ من الحرية والكرامة للشعوب ولا تبقيها رهائن في قبضة حاكم مستبد .
اما نحن فعندنا علماء يخترعون ويفبركون فتاوى تشجع الحاكم الفاسد والمستبد لكي يسلخ جلود مواطنيه ويُعبّدهم لارادته مؤبدا ! ويبقيهم يرسفون في غياهب الجهل والتخلف ما استطاع إلى ذلك سبيلا؟
ومرحبا بربيع الشعوب وربيع الحرية والإصلاح.
كل عام وانتم بخير
يأتي الأول من أيار لهذا العام وإخوانكم العمال العرب قد اضطرتهم الأنظمة لترك أعمالهم ومصادر عيشهم للاعتصام في الشوارع واحتراف عمل آخر غير صنائعهم ومهنهم هو الاحتجاج على بطش واستبداد وفساد تلك الأنظمة وتعاملها مع الأوطان كما لو كانت إقطاعيات خاصة بهم .
أما الأنظمة ذاتها وبدلا من أن تستجيب لهم فورا بل بدلا من أن تلبي تلك المطالب أصلا من غير أن يطلبوها بهذه الطريقة المهينة.. فإنها تنكر عليهم هذا العمل وتصنفه كفساد وخيانة وخروج على النظام لتنكل بهم وتسلط عليهم الهمل والجهلة والمرتشين والعاطلين عن التفكير ورخيصي الثمن والموقف ليهينوهم ويقتلوهم
إخوانكم العمال العرب تبطش بهم الأنظمة لأنهم يطلبون خبزا وكرامة وعدالة ومحاربة للفساد.
أية شرعية لأنظمة تضطر شعوبها لترك أعمالهم ومصادر عيشهم للاشتغال بمطالبة تلك الأنظمة بمحاربة الفاسدين ناهبي مقدرات أوطانهم وأرزاقهم ، ومع ذلك تصم آذانها وتغالبهم وتقتلهم لأجل مطالب كهذه ثم تماحك وتراوغ دون تنفيذ شيء منها؟
أية شرعية لنظام حكم يضطر شعبه بعد عشرة أو عشرين أو خمسين سنة من حكمه وصبرهم عليه وانتظارهم دون أن يخطو ولو خطوة واحدة تجاههم ، إلى أن يضطرهم للخروج للشوارع والمبيت في الشوارع والصراخ في الشوارع والعيش في الشوارع والموت في الشوارع وكل مطلبهم هو الحرية والكرامة ! لكنه ليس فقط لا يستجيب لهم بل ويصمهم بالخيانة والعمالة وأنهم دسيسة على الوطن وغرباء عنه ..
تصوروا وطنا لا يطلب فيه الحرية والكرامة إلا المدسوسين وكان ناسه عبيد بلا مروءة ولا كرامة ولا حق في الحرية والكرامة ..ولا يكتفي بذلك بل يسلط عليهم فئات جاهلة وقحة بذيئة لسانا بذيئة يدا بذيئة عينا بذيئة عقلا أعمى الجهل قلوبها تختلف تسمياتهم من بلد لآخر لكن المسمى واحد من بلطجية إلى زعران إلى شبيحة ومن كان في مرتبتهم ووصفهم ، حتى إذا لم يخضعوا ويرجعوا عن مطلبهم يقتلهم في الشوارع ؟
تصوروا أن يكون مطلب شعب من الشعوب هو الحرية والكرامة ومحاربة الفاسدين مع ذلك يكون مطلبا مرفوضا يهانون ويقتلون لأجله !
ولنا أن نسال هنا : ترى ما هي رسالة النظام السياسي إذا ، ولماذا هو موجود ان لم يكن توفير العزة والكرامة والحرية للشعب الذي أوكل إليه الحكم هي ابسط أدواره وأولها؟
سؤال ما كنا مضطرين لطرحه لولا أن هناك من يضطرك لتفسير المفسر وشرح المشروح وتأكيد البديهي الذي يؤكد نفسه ببداهته دون حاجة لمن يؤكده .
الشعب يريد إسقاط الفساد..
الشعب يريد إسقاط الاستبداد .
إن التحول للإصلاح يعني فيما يعنيه فض الاشتباك بين الوطن ونظام الحكم وإلغاء ذلك التغلغل والتماهي بين الدولة والنظام ، تماهيا وتغلغلا يبلغ في كثير من الأحيان حدا يكون النظام أولا والوطن تاليا أو تابعا ، بل وابعد من ذلك إلى حد تقدم مصلحة النظام على مصلحة الوطن إذا تعارضت المصالح وتغدو مؤسسات الوطن وأجهزته خادمة للنظام أولا وللوطن من خلاله وتاليا عليه ، وبحيث يغدو النظام هو الثابت وهو الهوية وما عداه فمتحول قابل للنقاش ، بل ويتأصل لدى تلك الأنظمة عرف راسخ يتم من خلاله تعريف المواطنة والولاء من خلال وجهة نظر النظام نفسه .. وفيها ومن ضمنها أن نقد النظام أو معارضته هو خيانة للوطن وخروج على أسسه ، حيث النظام هو الوطن والوطن هو النظام في تلك الهيكلية المشوهة ، أو لنقل أنه لا توجد فواصل وحدود بينة واضحة بين ما هو نظام حكم وبين ما هي دولة ووطن ويصبح الجميع في خدمة النظام أولا ومن خلاله وبما يسمح به ويحدده الوطن تاليا .
وهكذا في ظل ظروف كتلك فمعركة الإصلاح العربية معركة شاقة وشرسة لأننا أمام حالة لبنيان شيد أصلا على فساد وخلل - سواء على الأرض أو في العقول - هو جزء عضوي بنيوي من كينونته ودعامة أساسية فيه إذا ما قيس لما يجب أن تكون عليه أنظمة الحكم الرشيدة والديمقراطيات الحديثة .. وهو بنيان متغلغل في كل تفاصيل الحياة وفي العقول الكثيرة التي لم تعرف ولم تالف شكلا لنظام الحكم غير هذا الشكل الذي تعد المطالبة بإصلاحه هي كالمطالبة بالإطاحة به كنظام من حيث هي تتطلب تغييرات عميقة وجوهرية في بنيته الأساسية قلنا.. ومن حيث أن تغييرات كتلك تشبه أن تكون إعادة بناء بالكامل لذا تقف منها تلك الأنظمة موقف الحذر وتواجهها بتلكؤ ومماطلة حتى إذا ووجهت بعناد وإصرار كشرت عن أنيابها وأشهرت بلطجيتها وكل أدوات الرفض والمماحكة والمكر والكذب الشرس لديها.
إن تلك الأنظمة برفضها وتلكؤها بالإصلاح الذي لا يحتاج منها سوى إرادة وقرار سياسي تمتلكه بالكامل بل ومغالبتها للشعب إما بالبلطجية أو بالقناصة أو لجان الحوار والمطمطة وسوى ذلك.. إنما تشهد على نفسها أنها أبنية متهالكة غير قابلة لأي إصلاح وأنها إما أن تبقى كما هي بالكامل أو أن تزول بالكامل ليتسنى للشعب الانتقال الى ابنية حكم ملائم لزمن مختلف عن أزمان السلاطين والعائلات الحاكمة الذي لم يعد ممكنا في زمننا هذا .
وان الشعوب بالمناسبة قنوعة متواضعة جدا في مطالبها في بدايات ثوراتها حينما تطالب بترميم ذلك الحصن أو القلعة وتكييفها بما يطرد الهواء الفاسد منها لتغدو صالحة للحياة .. راضية قانعة أن تعيش في قلعة لم تعد تصلح إلا للأفاعي والهوام وما عد في رتبتها من كائنات .
وأن تعيش في ظل الحزب القائد الأوحد مالك الرؤية الصائبة والحقيقة المطلقة أو العائلة المالكة للوطن وأمره وقراره والمتصرفة في كل شأنه إلى حد تعطيه اسمها وهويتها وكأنها تزوجته زواجا كاثوليكيا ؟! لكن مع ذلك فإن الرفض والمماطلة تأتي وللغرابة الشديدة من الأنظمة ذاتها حين تأبى إلا أن تظل قابعة متحصنة في تلك القلعة ضد أي تغيير أو إصلاح ! مختطفة معها شعبا ووطنا بأسره ليعيش في قلعتها التي لم تعد تعجب أحدا سواها .
عند ذلك تجد الشعوب نفسها مضطرة أن تبدأ بنقض حجارة تلك القلاع وأن تهتف : الشعب يريد هدم القلعة ونقض حجارتها وتجريف مكانها لبناء آخر يليق بوطن حر وشعب كريم .. الشعب يريد ان يتنفس هواء نقيا غير هواء الحصون الملوث برطوبة الكتمان وانفاس العسس واتربة العتمة والعماء.
إن ميزة ثورات الإصلاح العربية الحديثة تكمن في أنها تؤسس لتحولات جذرية وعميقة سيتواضع عليها الفرقاء في النهاية ولتخلق وتكرس واقعا جديدا ووعيا جديدا ومقولات ومفاهيم جديدة في الحكم والسياسة .. وتحطم حواجز وخطوطا حمراء وتكسر تابوات كانت بمثابة التروس التي تتحصن خلفها الأنظمة .. بحيث لن يعودوا بعدها أبدا لما كان قبلها .. وسواء تغيرت تلك الأنظمة أو بقيت أو رقعت ترقيعا ، لكننا في النهاية وحتما سننتقل إلى عصر جديد فيما يتعلق بمفاهيم الحكم والسلطة والنظام السياسي ، عصر لن تكون تلك الأنظمة التي تخلفت عن التغيير قادرة على العيش والاستمرار فيه وضمن شروطه .
تـُرى هل يؤشر رفض الأنظمة العربية المستميت لدعوات الإصلاح والذي يصل حد الانتحار أحيانا – هل يؤشر على اعتراف وإقرار ضمني منها أنها أنظمة غير قابلة لإصلاح من النوع الذي تدعو وتنادي به الجماهير ؟ إما لأنها غدت أبنية لا تصلح للترميم والتجديد (نظرية العطار والدهر) أو أنها أبنية أسست وأنشئت أساسا على قواعد وأسس من طينة تختلف تماما عن تلك الأسس التي ينادي بها الإصلاحيون والتي هي الأسس التي تبنى عليها الأنظمة السسياسة الحرة والحديثة من حيث أنه لكل منهما أسس بنيانه المختلفة .. وأنه لا يمكن تحويل قلعة من الحجارة والجص إلى بناء إسمنتي حديث إلا بازالة القلعة لان كل منهما يبنى على أسس مختلفة ، بالتالي فتلك الأنظمة تقرأ الدعوة لإصلاحها بصفتها دعوة لنقض حجر الأساس في بنيانها ، والخطوة الأولى لهدم ذلك البنيان من حيث كونها دعوات تتضمن مطالب تفضي في النهاية لهدم الأسس والمرتكزات التي قامت عليها .. وهو الأمر الذي تخشاه وتتوجس منه تلك الانظمة خيفة لأنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى تغييرها بالكامل ؟ هل هذا هو المعنى الذي يـُفهم من مقاومتها الشرسة لدعوات الإصلاح بهذا الشكل المستهجن وغير المفهوم ؟
وهل تلك الأنظمة من حيث هي أنظمة قهر وغلبة فهي بذلك تمثل أبنية قائمة أساسا على الفساد والاستبداد الذي يشكل نسيجا بنيويا متداخلا في تركيبها وجوهرها .. بالتالي من الصعب تنقيتها من الفساد والاستبداد ، والدعوة لإصلاحها والحالة هذه تعادل في نظر القائمين على تلك الأنظمة الدعوة لهدمها وإسقاطها ، إلى حد أن أي إصلاح حقيقي مقنع لا يمكن أن ينجز بها ومن خلالها وبوجودها ، من حيث أنها أنظمة شيدت وأسست على قواعد وأسس مختلفة تماما عن المفاهيم العصرية لأنظمة الحكم الحديثة .. وأن إصلاحها يستلزم ويتطلب تغييرات جذرية وجوهرية في بنيتها الأساسية لا يمكن انجازها مع بقاء البناء ذاته ، وأنه لا يمكن ترقيعها أو تعديلها لتصبح ملائمة لان يقال عنها أنها باتت أنظمة عصرية وديمقراطية حديثة مقنعة وملبية لأشواق الشعوب لأنظمة حكم مشرفة . تماما كالبناء الذي في وقت من الأوقات لا يغدو صالحا للاستخدام ولا قابلا للترميم بحيث أن تأهيله يتطلب جبّ وتغيير أساساته وأعمدته ، إما لأنه مبن على طرز لم تعد موجودة أو مستخدمة كالقلاع القديمة مثلا بالتالي لم يعد الزمن يقبله ، أو لأنه بات مهترئا تماما بحيث لا يصلح للترميم لأن كُـلـَف ترميمه أغلى بكثيرا من كلف تجديده .. عدا عن أنه يبقى بناءا مرمما بعد كل ما كلف ؟.. وهنا فإنني مجرد أتساءل فقط ولا أقرر شيئا .
فالنظام الذي شيد على أساس الحزب القائد والحزب الأب مالك الحقيقة والأدرى بمصلحة الوطن وأين تتجه بوصلته .. ومالك القوة والسلطة والمؤسسات والمتغلغل في كل تفاصيل الوطن والذي يشكل تاريخه ومنجزاته درسا أساسيا في التربية الوطنية للتلاميذ كما لو كان مالكا وخالقا للوطن لا موكلا ومكلفا بتدبير شؤونه نيابة عن أهله .
أو النظام القائم على العائلة القائدة التي حازت على الحكم بالقهر والغلبة والتي هي فوق الشعب وفوق النقد وفوق المساءلة بل والتي أعطت للوطن والشعب هويته واسمه - اقصد هويتها واسمها ..الخ . والتي يحق لها أن تحكم ولا يحق للأمة أن تسألها ثلث الثلاثة كم؟
مثل هكذا أنظمة كيف يمكن تطعيمها بالإصلاح إلا أن تلغي اسم العائلة القائدة أو الحزب القائد من عنوان الوطن وتجعل الوطن هو مانح الهوية لا العكس .
وإلا أن يتخلى ذلك الحزب أو تلك العائلة عن قداستها وتتنزل من عليائها لتهبط إلى الأرض وتصبح إدارة وهيئة رشيقة تدبر شؤون البلاد ضمن شروط ومحددات واضحة متفق عليها . إدارة خاضعة للنقد والمساءلة وكل ما تقوم به شفاف ومعلوم ، وان يكون هناك فرد بعينه من ذلك الحزب أو تلك العائلة هو الممثل لنظام الحكم والمسؤول أمام الشعب .. وان تبحث بقية العائلة لها عن عمل مفيد مثلها مثل بقية المواطنين لا أن تحكم الوطن عشيرة بأسرها تعتاش على ألقاب وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع على حساب شعب ووطن ، إذ لا يعقل مثلا أن عدد أفراد إحدى العائلات الحاكمة في الوطن العربي هو بعشرات الآلاف كلهم أمراء ولهم جرايات ومخصصات غير الخاوات والإتاوات والبلصات ، وكلهم لا عمل لهم سوى أنهم أمراء وكبراء من العائلة المعظمة ! فهل يعقل في القرن الواحد والعشرين مثلا أن نظام حكم عدد أفراده عشرة أو عشرين أو خمسين ألفا أي طبقة بأسرها من البشر في حين أكبر دولة في العالم تحكم من خلال إدارة وطاقم رشيق ومختصر جدا !.. أو هل يعقل أن يحكم وطن بلا دستور أو بدستور مهمش من قبل فرد هو الحاكم ، يعتدي عليه متى شاء ويعدله كيف شاء ، وبينما هو يطالب الناس بالالتزام به ويحاسبهم على ذلك بينما يرفض من جانبه ذلك الالتزام ويستمتع بخرقه وتجاوزه كيف شاء ؟
وهو الطرح الذي عندما نصل إليه بالمناسبة نكون مع الأنظمة كمن قد اصطدم بحائط مسدود ويبدأ عندها خرط القتاد .. لأنه يتطلب تغييرا جذريا في بنية الأنظمة وتبديلا لأسس جوهرية وبنيوية في هيكليتها ، الأمر الذي ترفضه باستماتة لأنه بنظرها يتجاوز مسألة إصلاحها –غير الممكنة أصلا بدون التطرق لتلك المرتكزات – إلى أمور تقترب من تخوم تغييرها الجذري أو لنقل تغيير الأسس التي بنيت عليها وهو الأمر الذي لا مناص منه إذا أردنا الحديث عن إصلاح مقنع وحقيقي يعبر بالأوطان إلى العصر وبر الأمان.. بينما تريد هي ترقيعات شكلية لا تقترب من كل ذلك وهنا تحدث الإشكالية الحقيقية والعقدة المستعصية . وبالذات كوننا نتحدث عن العقلية العربية التي تؤمن بتوريث كل شيء حتى الشعوب والأوطان .. وتتشبث بالزعامة والسيادة حتى الرمق الأخير إلى حد أنه حتى الدين اختلفوا فيه بعد الذي بينه لهم نبيه ، بل وسعوا بالسيف أن يحولوه لميراث دنيوي يتولاه أقرب الناس عصبة للرسول، بل واقتتلوا فيه بشراسة ولم يرحموا أو يحقنوا دما بعض وهم الصحابة رغم أنه أمر ما أنزل الله به من سلطان ولا أوصى به نبي لولا حب الرياسة والزعامة المتأصل في تلك العقلية.. وأن ما نحن فيه اليوم هو من رواسب وتداعيات ما فعله السيف في تلك الحقب بدافع من تلك العقلية التي لم تزل مسيطرة حتى اليوم بالمناسبة .
علي عبدالله صالح :
لا للاختلاط
لا للاختلاط
لا للاختلاط
نساء اليمن :
لا للفساد
لا للاستبداد
لا للتأبيد في السلطة ..
أم تريدنا دجاجات في البيوت ؟
العب غيرها.
تعليق :
ـــــــــــ
انظروا لمن يدخلون كل جمعيات ومؤسسات العهر من سيداو
وأشباهها و
يسمسرون ويقبضون باسم تلك الجمعيات وأهدافها المشبوهة
ثمن بيع القيم ومسخ العادات والتقاليد وإفساد المجتمع
بل وينشئون هم أنفسهم جمعياتهم ومؤسساتهم المرخصة لتلك
الغايات لأجل استمطار المال المشبوه..
انظروا عهرهم وتلونهم كيف تصبح تلك القيم غالية عليهم حين لا تأتي النتائج كما يرغبون
فالمرأة التي سعوا هم لاستغلال والمتاجرة بمسألة تحررها
ودمجها...الخ
يصبح اختلاطها عزيزا عليهم ،
لكن متى ؟
فقط حينما تخرج محتجة على فسادهم واستبدادهم
فبأي مكيال يكيلون
لو قالها غيركم يامن تحتلون كراسي السلطة لأخذنا منه،
أما أنتم
فـ فاتكم القطار.
مرة واحدة قد تكون أخيرة ..
مرة حيث تنفعكم بها شجاعتكم ..
تحلوا بالشجاعة النبيلة لا (( الشجاعة الدنيئة )) في التعامل مع الشعوب المحتجة على فسادكم واستبدادكم .
لا تواجهوا هؤلاء المحتجين على فسادكم واستبدادكم بالشجاعة الدنيئة - واسميها شجاعة تهكما هنا - بالبطش والبلطجية وبالرصاص وان تنعتوهم بكل ما في قاموسكم المعتل من ألفاظ بذيئة كالخارجين على النظام والفئران والحشرات والحاقدين إلى ما هنالك مما في معجم الاستبداد من ألفاظ هي جزء من ذلك البطش والتنكيل .
بل واجهوهم بالشجاعة النبيلة :
أن تواجهوا لحظة الحقيقة بصدق ،
أن تعترفوا باستبدادكم وفسادكم ،
أن تعتذروا للشعوب عن التخلف والهزائم
أن تتركوا سياسة الوعود والمماطلة وتباشروا فورا بتنفيذ ما يطلبون .
أن تكفوا يد أدواتكم وأزلامكم عن تسميم حيوات الناس والعبث بأقدارهم برفع من لا يستحق لتصنيفه موال ولو كان منافقا .. وخفض من لا يستحق لتصنيفه مخالف ولو كان صادقا.
فكيف تكون في بيت غيرك وتتصرف على انك آنت السيد؟
أن تكفوا عن التماهي والاندغام في الوطن وكأنه ملكية خاصة لكم بحيث أن من يخالفكم يخالف ويعادي الوطن ومن يواليكم يواليه ؟!
اعترفوا أنكم استبديتم وفسدتم وأفسدتم وانفردتم بأوطان هي لشعوبها وليست ملكية خاصة لكم ،
ومع انه حتى الملكية الخاصة هناك حدود لتصرف مالكها بها ..أما انتم فقد تصرفتم بما ليس لكم بحدود تجاوزت حتى حدود من يملك بما يملك ؟
تحلوا بالشجاعة النبيلة لمرة واحدة واعترفوا ..
اعترفوا أنكم لم تكتفوا باستبدادكم ونهبكم للسلطة بل وتخليتم عن شعوبكم حين تحالفتم مع الجشعين والفاسدين حدا وصل تفويض سلطاتكم المغتصبة تلك لهم وإيصالهم لسدة القرار ليحكموا وليشرعوا ما به ينهبون ويمتصون الدماء فجعلتم شعوبكم كخادم سيدين انتم من جهة وهؤلاء المتنفذين برعايتكم من جهة أخرى.
اعترفوا أنكم استهنتم واستهترتم واستخفيتم بالشعوب وتعاملتم معها كتابع ذليل لا يسحق إلا العصا إذا عصا.
نعم .. كفوا عن الإنكار ..كفوا عن المكر واعترفوا أنكم استبديتم وأسرفتم في استبدادكم وفسادكم ولبوا نداء الشعوب .
فهل تملكون مثل هذه الشجاعة ؟؟
" الشعب يريد " ،
خطوة بالاتجاه الصحيح يضع بها قدمه على الطريق الصحيح.
" الشعب يريد " ،
سلاح فتاك - نووي العرب - في أيدي هؤلاء الشباب العزل اسقطوا بها حتى الآن طاغيتين حديديين تترسوا بكل قوى الأمن واساليب القمع التي لم تصمد أمام هذا السلاح الجديد.
" الشعب يريد " ،
شعار لو ارتفع مبكرا عن الآن لكانت الكثير من المعضلات المستعصية حُلت وكان الحال غير ما هو عليه الآن.
ففي الزمن الفائت لم يرد الشعب شيئا ولم يقرر شيئا وكانت الإرادة إرادة الفرد المستبد والقرار قراره .. لذلك هُزمنا باسم ذلك الفرد وبتدبير وقرار منه وتخلفنا باسمه وبقراره ونـُهبت مقدراتنا باسمه وبإرادته ورضاه وصودرت سيادتنا وإرادتنا باسمه .. وفي حين بُرّيء من كل تلك المصائب فقد نسبت الهزائم ونسب التخلف للأمة التي كانت مغيبة تماما وتساق كالابل .. فلم تكن هي التي واجهت ولا هي التي فكرت ولا هي التي قررت او دبرت ...الخ.
حين أراد الشعب في تونس وحين أراد في مصر حقق ما أراد .؟. وفي لبنان هُزمت إسرائيل شر هزيمة ومن قبل فئة صغيرة من ذلك الشعب حينما كان الشعب هو الذي أراد وهو الذي واجه ، بينما حين أراد الفرد المستبد وفي دول عدة مجتمعة هُزمنا وانتكسنا شر نكسة وهزيمة لأن الشعوب لم ترد ولم تقرر ولم تواجه بل كانت قطعانا يوجهها الفرد الخائف المرتعش على كرسيه وعرشه.
أيتها الشعوب العربية استعيدي إرادتك تستعيدي وجودك.
مما لا شك فيه أن النخب الحاكمة هي في وضع متقدم على شعوبها من حيث الوعي السياسي بما يجب وما لا يجب وما هو من حقها وما ليس من حقها .. وحدود وشكل العلاقة التي تربط أي شعب بنظام الحكم .. فهي تعرف جيدا معنى الحكم وتعرف أكثر أن ما تقترفه ليس من حقها ، وهي لذلك تقترفه على علم ودراية تامة بلا شرعيته وعدم أحقيتها في اقترافه..
لكنها تدير ظهرها لتلك الشعوب وتتجاهل ما تعرف بل وتنكره تماما ، حتى يأتي الشعب نفسه ليدق الأبواب بقوة ويذكرها بما عرفته جيدا وتماما قبل أن يعرفه هو أو يطالب به.
وإن الثورات العربية الأخيرة لم تجئ لتُعلّم تلك الأنظمة شيئا كانت تجهله ، بل جاءت لتطالبها بما تجاهلته رغم علمها الأكيد به حتى من قبل أن تعرفه وتحس به تلك الشعوب الصابرة الراضية فتأتي لتدق الأبواب بقوة للمطالبة به.
لو جاءك طفل ومعه دينار ذهب وطلب منك قطعة حلوى ظنا منه أنه عشرة قروش فإن أول واجب هو أن تفهِم ذلك الطفل أن الذي معه هو دينار ذهب وليس قرشا أو درهما لا أن تستغل عدم معرفته أو تنازله عن ذلك الدينار مقابل قطعة حلوى فتعطيه ما طلب بما وهب.
أنظمة الحكم العربية تصرفت مع شعوبها بهذا الشكل ، فاتبعت سياسة كتم وإنكار ما تعلم وتجهيل الشعوب به ، وباعت الشعب بضاعة لا تسوى عشرة قروش بما هو أثمن من دنانير الذهب وهو عمره وتقدمه وحريته وتمتعه بأنظمة حكم مشرفة وإنسانية.. مستغلة صبره وربما أحيانا جهله بحقوقه بسبب عهود التجهيل والتزييف .. مع أن تلك الأنظمة والقائمين عليها تعرف جيدا ما يجب وما لا يجب وما يجوز وما لا يجوز.
وهكذا فقد استغلت تلك الأنظمة أبشع استغلال معرفتها التي سعت بها لتجهيل الشعب وخداعه وبيعه أفكارا مسمومة غير ما تعرف وتدرك ، مستعينة بفقهاء السلاطين وكتبة الحكام ومن على شاكلتهم ، وليبيعوا الناس فكرا مسموما يدركون جيدا أن الصواب في واد وهو في واد .
ولكن خداع الشعوب وتضليلها أمر لا يمكن أن يستمر ويدوم .. فقد تخدع بعض الناس كل الوقت وقد تخدع كل الناس بعض الوقت لكن لا يمكن أن تخدع كل الناس كل الوقت .. وهو خداع حينما يكشف النقاب عنه فلا يمكن أن يثمر إلا الكراهية ونزع الثقة عمن يمارسه .. وهكذا كان .
والنتيجة هي ما نشهده اليوم من رفض قاطع مطلق لتلك الأنظمة ورموزها وكل ما تعرضه من تنازلات وعروض وكل تراثها المعتل بعد أن فتحت تلك الشعوب عينيها على كل ذلك الخداع الممنهج ، وعلى دنانير الذهب التي كان التاجر يبيعها بها حبة حلوى . ولأنه لا ثقة بمخادع و "من يجرب المجرب عقله مخرب". لذلك رفض الشعب المصري والتونسي كل عروض وتوسلات وتنازلات الأنظمة واليوم يرفض الشعب اليمني كذلك وبنفس الطريقة.
إذا أمكن لأية علاقة أن تبنى عن طريق الخداع ، ولأي مركب أن يسير بالخداع فإن مسيرة الشعوب وعلاقتها بمن يديرون ويدبرون شؤونها لا يمكن لها أن تبنى وتستمر بهذه الطرق المعتلة .










